
ثمة كآبة غريبة في روايات هاروكي موراكامي (على الأقل ما قرأته للآن وهما ثلاث)، لكنها ليست الكآبة المنفّرة التي تدفعني إلى إغلاق الكتاب. إنها كآبة يمكن الإقامة فيها، والانجراف مع شخصياتها، لا لمعرفة مصائرها بقدر ما هي رغبة في البقاء معها وقتًا أطول. شعرت بذلك وأنا أقرأ «جنوب الحدود، غرب الشمس»، ثم وجدته مجددًا، وربما بصورة أشد تأثيرًا، في «الغابة النرويجية».
وحين تتبعت هذا الشعور بالبحث والتأمل، وجدت ما يقترب منه في مفهوم جمالي ياباني يُعرف بـ«المونو نو آواري» (Mono no aware)، أي الحساسية الشجية تجاه زوال الأشياء وتحولها، وما يصاحب إدراك فنائها من حزن وجمال. وربما أمكنني وصف ما أشعر به أثناء قراءة موراكامي بنوع من «الكآبة المريحة»، وإن لم يكن ذلك تصنيفًا نقديًا محددًا لأدبه.
هناك روايات تجعلنا نقلب الصفحات لنعرف ماذا سيحدث، وروايات تجعلنا نقلبها لأننا لا نريد مغادرة ما يحدث الآن. وأعتقد أن موراكامي يبرع في النوع الثاني.
ويزداد هذا الأسلوب السردي وضوحًا في طريقة تعامل موراكامي مع الصدمات؛ فحين يخبرنا بانتحار هاتسومي، حبيبة صديقه ناغاساوا، بعد زواجها من رجل آخر، يفعل ذلك بصورة مباغتة، عبر قفزة زمنية إلى مستقبل الشخصية، ثم يعود إلى أحداث أمسية سابقة جمعتها بواتانابي، حيث يستعيد حديثهما وأمنيته بأن تكون له أخت مثلها.
ولا يقل وقع الخبر قسوة حين يروي واتانابي كيف تلقى رسالة ناغاساوا التي يخبره فيها بموت هاتسومي، ويصف فيها حزنه وألمه، مضيفًا عبارة «حتى بالنسبة إليّ». لا يعلّق واتانابي على ما قرأه، بل يمزق الرسالة إربًا إربًا، ولا يكتب إلى صديقه بعدها أبدًا. كأن غضبه كله انطفأ في ذلك الفعل الصغير والحاسم.
ورغم فجائية الموت وصدمته، فإن هذا الأسلوب لا يقضي على عنصر التشويق، بل يزيدنا رغبة في إكمال الرواية حتى آخرها؛ فالأهمية هنا لا تكمن في نجاة الشخصيات أو موتها، بل في تلك التفاصيل الدقيقة المتأرجحة بين الحياة والموت والأسى، وهي التفاصيل التي تمنح كل شخصية فرادتها ورؤيتها الخاصة للوجود.
لا تكمن براعة موراكامي في المفاجآت أو الأحداث الكبرى، بل في قدرته على منح التفاصيل اليومية عمقًا استثنائيًا. الموسيقى والطعام والمشي والقراءة والحوارات العابرة، وحتى الصمت بين شخصين، كلها تتحول إلى عناصر مؤثرة في تشكيل الذاكرة والهوية والعلاقات. إنه يكتب عن الحياة العادية بطريقة تجعلنا نعيد النظر في عاديتها، وعن تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تترك آثارًا عميقة في رغبتنا في الحياة وفهمنا للحب والمرض والموت.
بدأت قراءتي لـ«الغابة النرويجية» استماعًا عبر قناة على يوتيوب، بصوت رجل يبدو من أدائه أنه مغربي؛ رجل محب للقراءة، لكنه، مثلي، يفتقر إلى الخبرة في تقنيات التحرير الصوتي. فإلى جانب قراءته للرواية، كان يترك العبارات المكررة بعد أن يخطئ في قراءتها، يسعل ويمخّط ويقرأ في الوقت نفسه. أحيانًا كنت أضحك حين يصدر صوتًا عاديًا، وحمدت الله أنه لم يتجشأ أبدًا، أو ربما حدث ذلك في الفصول الأخيرة!
كنت أغتنم أوقات المشي الصباحي للاستماع إليه، وفي إحدى المرات كنت أقف بانتظار أن تفتح إشارة المشاة، وبجانبي أربعة أو خمسة أشخاص ينتظرون، بينما كنت عند جزئية تتحدث فيها ميدوري بجرأة عن رغباتها الجنسية مع واتانابي. بين صراحة النص وطريقة إلقاء الراوي شيء من الطرافة جعلني أضحك، وخفت في الوقت نفسه أن يكون أحد الواقفين يفهم العربية ويسمع الصوت، وفي خضم هذه القضية ضحكت مجددًا. ولا يضيرني ذلك حين أكون وحدي في الشارع العام، فهذا جزء من حقيقتي التي لن تتغير.
لكن مشكورةً كانت جهود ذلك الرجل، فقد كان سببًا في أن أجد الرواية. ومع ذلك، شعرت أن لديّ الوقت الكافي لأمنح هذه التحفة الأدبية تركيزي وانفصالي التام عن العالم الخارجي، وأردت ألا يترك صوته الانطباع الخالص لديّ؛ أردت أن أسمعها بصمتي الخاص.
عدت إليها قراءة إلكترونية عبر موقع «أرشيف الإنترنت»، وهناك، حين غرقت فيها وحدي مع خيالي وذكرياتي، كانت ثمة لحظات قاسية وصعبة أصابتني بقشعريرة، وأخرجت مني حزنًا دفينًا كنت قد نسيته. شعرت أن الرواية مسّت جزءًا مني؛ فقد وجدت نفسي في بعض الشخصيات وفي أحداث الحياة الجامعية. ياه! مرّ الكثير من الوقت منذ أن كنت طالبة جامعية. ليس القول حنينًا، فقد كنت طالبة عادية بحياة عادية جدًا، خالية من الجموح سوى نحو القراءة في تلك الفترة، حتى إنني حين أنظر إليها من بعيد، تبدو كأنها ذكريات امرأة أخرى… ليست أنا.
يعود موراكامي في الرواية إلى اليابان أواخر الستينيات، في مرحلة شهدت حراكًا طلابيًا وسياسيًا واسعًا، وانفتاحًا ثقافيًا على الأدب العالمي والموسيقى الغربية والأفكار اليسارية. ومن خلال واتانابي وناوكو وميدوري وناغاساوا وريكو، يقدم شخصيات لا يمكن اختزالها في صورة شباب يعيشون تجارب الحب الأولى.
تتحرك هذه الشخصيات في عالم تحضر فيه الكتب والموسيقى والنقاشات الفكرية والسياسية، وإن بدرجات متفاوتة. يستمع بعضها إلى البيتلز، ويقرأ الأدب العالمي، وينشغل بأسئلة أخلاقية وفلسفية، لكنه يظل عاجزًا أحيانًا عن فهم مشاعره أو التصرف وفقًا لما يعرفه.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في بناء الشخصيات: فالمعرفة لا تمنح أصحابها بالضرورة نضجًا عاطفيًا. واتانابي، الذي يدرك قسوة صديقه ناغاساوا تجاه حبيبته هاتسومي، ويستنكر عجزه عن مقابلة محبتها بالاحترام، يجد نفسه عاجزًا عن منح ميدوري الوضوح الذي تطلبه منه. إنه يعرف جيدًا أي نوع من الرجال لا يريد أن يكون، لكنه لا يعرف كيف يصبح الرجل الذي يريد أن يكونه.
وربما لا يتعلق ارتباكه بالعجز عن الاختيار بين امرأتين، بقدر ما يتعلق بالخوف من التغير. فإلى جانب ناوكو، يعرف واتانابي نفسه، ويعرف ماضيه المشترك معها ومع صديقهما الراحل كيزوكي. أما ميدوري، فتنتمي إلى عالم آخر، لا يحمل الذكريات نفسها، وتطلب منه أن يكون حاضرًا في حياتها، لا أسيرًا لما فقده. الاقتراب منها يعني احتمال أن يصبح شخصًا مختلفًا، وربما كان هذا أكثر ما يخشاه.
وتكشف ميدوري هذا التناقض في حواراتها معه، حين تستغرب كيف يستطيع أن يقرأ كل تلك الكتب، ويفهم الأفكار الفلسفية والسياسية المعقدة، لكنه يعجز عن إدراك أنها تحبه. فهي لا تطلب منه تفسيرًا فلسفيًا للحب، بل أن يراها، وأن يفهم أن المعرفة لا تعفي الإنسان من مسؤوليته العاطفية تجاه الآخرين.
لكن موراكامي لا يقدم ميدوري بوصفها فتاة مرحة تقف في مواجهة ناوكو الحزينة. فكلتاهما عرفت الفقد مبكرًا، وإن اختلفت تجربتاهما معه. وربما تكشف العائلة، بحضورها وغيابها في الرواية، عن جانب من هذا الاختلاف.
يعيش واتانابي معظم الرواية بعيدًا عن أسرته، حتى يكاد حضور والديه يختفي من السرد. أما ناوكو، فنعرف شيئًا عن تاريخ عائلتها، وخصوصًا انتحار أختها الكبرى، لكننا نعرف آثار الفقد أكثر مما نعرف تفاصيل العلاقات العائلية التي بقيت بعده. في المقابل، تحضر عائلة ميدوري بوضوح: الأم الراحلة، والأب المريض، والأخت، والمستشفى، والمسؤوليات اليومية التي تتحملها فتاة ما زالت في مقتبل العمر.
ومع ذلك، لا تبدو ميدوري أقل قدرة على الضحك والرغبة والحب. بل لعل تجربتها مع الفقد جعلتها أكثر إلحاحًا في طلب الحياة، وأكثر صراحة في التعبير عن حاجاتها ورغباتها. لا تؤجل ميدوري مشاعرها ولا تخفي رغباتها، كما لا تريد البقاء في علاقة لا تمنحها الاهتمام الذي تحتاج إليه. وحين تنسحب من حياة واتانابي لبعض الوقت، لا يعني ذلك بالضرورة أنها توقفت عن حبه، بل ربما أدركت أن حب شخص لا يفرض عليها أن تقبل غيابه المستمر عن حياتها.
لكن هذه الصلابة لا تعني أنها لا تتألم؛ فقد تكون صراحتها طريقتها في حماية نفسها من ألم تعرفه جيدًا. ولا ينبغي أن نحول اختلافها عن ناوكو إلى مفاضلة بين امرأتين، إحداهما اختارت الحياة والأخرى اختارت الموت. فكل منهما شخصية مركبة، تتشكل استجابتها للفقد من تاريخ نفسي وعاطفي لا يمكن اختزاله في قرار أو سمة واحدة.
وتبلغ علاقة واتانابي بميدوري واحدة من أجمل لحظاتها في مشهد المستشفى، حين يزور والدها المريض. هناك نراه بعيدًا عن تردده المعتاد، شابًا صغيرًا يعتني برجل في وضع صحي حرج، من دون أحكام أو نفور، ويطلب من ميدوري أن تذهب لتستريح بعد أن أدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
في هذا المشهد، لا يحاول واتانابي تفسير مشاعره، ولا يحتاج إلى معرفة ما إذا كان قد اتخذ القرار الصحيح بشأن مستقبله. إنه يرى إنسانًا يحتاج إلى الرعاية، وفتاة مرهقة من المسؤولية، فيتصرف ببساطة. وهنا يكشف موراكامي عن جانب آخر من شخصيته: فواتانابي ليس عاجزًا عن الحب أو التعبير عنه بالفعل، لكنه يجد صعوبة حين يتطلب الحب موقفًا واضحًا تجاه المستقبل. يستطيع أن يمنح ميدوري ساعات من الراحة، لكنه يتردد في منحها اليقين بأنها ليست وحدها في العلاقة.
وما يجعل المشهد مؤثرًا أن واتانابي لا يستطيع شفاء والد ميدوري، ولا إلغاء مرضه، ولا إزالة الأعباء التي تحملتها ابنته، لكنه يستطيع أن يخفف عنها شيئًا من تلك المسؤولية. إنه لا ينقذ أحدًا، لكنه يجعل يوم شخص آخر أقل قسوة. وربما يكون هذا أحد أكثر أشكال الحب صدقًا في الرواية كلها: أن نكون حاضرين حين يحتاج إلينا الآخرون، حتى عندما نعجز عن تغيير مصائرهم.
يحضر الموت في «الغابة النرويجية» حضورًا كثيفًا، لكنه لا يأتي دائمًا بوصفه ذروة درامية. تتكرر حالات الانتحار، وتتداخل آثار الفقد في حياة الشخصيات، حتى يبدو الموت جزءًا من عالمها النفسي، لا حدثًا استثنائيًا يقع خارجه. ومنذ الصفحات الأولى، ثمة إحساس بأن ناوكو لن تبقى، رغم أننا لا نعرف كيف ستكون نهايتها.
وحين يصلنا خبر موتها، يأتي بهدوء يكاد يكون قاسيًا. لكن أثره لا ينحصر في لحظة إعلان الوفاة؛ فالرواية، القائمة أساسًا على استعادة الماضي، تجعلنا نعيد التفكير في مشاهد كانت فيها ناوكو حية، تتحدث وتضحك وتمشي وتعيش تفاصيل يومية عادية. وهنا يتشكل نوع مختلف من الحزن؛ فنحن نعرف مصيرها، ثم نعود بذاكرتنا إلى الحياة التي سبقته. لا يراهن موراكامي على صدمة الموت وحدها، بل على الأثر الذي يتركه في قراءتنا لما مضى.
والأكثر إيلامًا أن واتانابي، وهو يحاول فهم علاقته بناوكو، يصل إلى الاعتقاد بأنها لم تحبه، بينما تكشف أحاديثها مع ريكو عن مشاعر أكثر تعقيدًا. ربما أحبته بالفعل، لكنها لم تستطع تصور مستقبل تستطيع فيه أن تعيش معه كما كان يأمل. لقد كانت تخشى أن تصبح عبئًا عليه، ولم تكن واثقة من قدرتها على التعافي. لكن شعورها بأنها عبء لا يعني أنها كانت كذلك، ولا أن مستقبلها كان محكومًا بالفشل؛ فقد كانت تحاول أن تتحسن، وتكتب الرسائل، وتبحث عن الأمان، وتريد أن تكون محبوبة، رغم ما تعانيه في داخلها. فالرغبة في الحياة والقدرة على احتمالها ليستا دائمًا شيئًا واحدًا.
وهذه ربما إحدى أكثر الأفكار إيلامًا في الرواية؛ فهناك أشخاص يذهبون عميقًا في عوالمهم الداخلية، إلى درجة يشعر معها المقربون منهم بأنهم يقفون على مسافة لا يستطيعون عبورها. نراهم ونتحدث إليهم ونحاول فهمهم، لكننا لا نستطيع مشاركة تجربتهم النفسية كاملة. ومع ذلك، فإن صعوبة الوصول إلى إنسان لا تعني استحالة مساعدته، ولا أن معاناته قدر نهائي. فالرعاية والعلاج والعلاقات الإنسانية يمكن أن تفتح طرقًا للتعافي، حتى حين يبدو التواصل عسيرًا. لكن الحب، مهما كان صادقًا، لا يمنحنا السيطرة على مصائر من نحب.
أما ريكو، التي أمضت سنوات طويلة في المصح مع ناوكو، فتقدم مسارًا مختلفًا. فبعد موت ناوكو، تقرر مغادرة المكان والعودة إلى العالم الخارجي. ويمكن قراءة قرارها بوصفه إدراكًا أن البقاء في البيئة المحمية لم يعد كافيًا بالنسبة إليها، لا حكمًا على جدوى العلاج النفسي نفسه. لقد أدركت، ربما، أن المرأة التي دخلت ذلك المكان قبل سنوات لم تعد موجودة، وأن العودة إلى الحياة لا تعني بالضرورة استعادة الشخص الذي كانت عليه. وبينما يخشى واتانابي أن يصبح شخصًا آخر، تبدو ريكو أكثر استعدادًا للاعتراف بأنها تغيرت بالفعل.
ويحمل عنوان الرواية نفسه حكاية جميلة عن الموسيقى والترجمة. فأغنية البيتلز «Norwegian Wood»، التي صدرت عام 1965، تشير في أصلها إلى الخشب النرويجي المستخدم في تكسية الجدران، لا إلى غابة. لكن عنوان الأغنية عُرف في اليابان بمعنى «الغابة النرويجية»، وهو المعنى الذي احتفظ به موراكامي في عنوان روايته الياباني «Noruwei no Mori»، ثم حافظت عليه الترجمة العربية. وهكذا تحولت عبارة تشير إلى مادة خشبية في أغنية عن علاقة عاطفية غامضة إلى غابة تستحضرها ناوكو بوصفها صورة للوحدة والضياع.
وتكتسب الموسيقى في الرواية وظيفة تتجاوز الخلفية الثقافية لجيل الستينيات؛ إنها وسيلة لاستعادة ما مضى، وأحيانًا للتواصل حين تعجز اللغة عن التعبير. تبدأ الرواية بواتانابي في السابعة والثلاثين، على متن طائرة تهبط في هامبورغ، حين يسمع أغنية «الغابة النرويجية» فتعود إليه ناوكو وذكريات شبابه. لكنه يستطيع استعادة تفاصيل المكان الذي جمعهما، بينما تصبح صورة ناوكو نفسها أصعب استحضارًا، كأن الذاكرة تحتفظ بالأشياء المحيطة بمن نحب، بينما تتلاشى ملامحهم تدريجيًا.
وفي النهاية، حين يتصل بميدوري ويعلن رغبته في أن يكون معها، تسأله عن مكانه، فلا يعرف أين يقف. في البداية يستطيع وصف مكان من الماضي، لكنه يعجز عن استعادة المرأة التي كانت فيه بوضوح. وفي النهاية يعرف المرأة التي يريدها، لكنه يعجز عن تحديد موقعه في الحاضر.
لا نعرف إن كانت ميدوري بقيت في حياته، ولا إن كان قد تجاوز ناوكو حقًا. وربما لا يريد موراكامي أن يمنحنا إجابة.
ولعل ما تغير في علاقتي بالروايات مع مرور السنوات هو أنني لم أعد أرى النهاية المفتوحة نقصًا في الحكاية. في العشرينيات، كنت أشعر بالإحباط حين يتركني الكاتب من دون إجابة واضحة. أما الآن، فأجد أن بعض النهايات المفتوحة أكثر وفاءً للحياة نفسها، حيث لا تنتهي كل العلاقات بتفسير، ولا نحصل دائمًا على إجابات عن الأشخاص الذين أحببناهم أو فقدناهم.
وربما لهذا لا نقرأ موراكامي بحثًا عن النهاية. إنه لا يقدم إجابات نهائية عن الحب أو الموت أو التعافي، ولا يكافئ شخصياته لمجرد إدراكها الصواب، بل يتركها في ارتباكها الإنساني، ويتركنا معها، نتأمل كيف تصنع التفاصيل الصغيرة حياتنا، وكيف يبقى أثرها فينا طويلًا بعد انقضائها.
في «الغابة النرويجية»، لا يجعل موراكامي الحياة أقل حزنًا، لكنه يجعلنا نرى جمالها رغم ذلك. وربما يكون هذا سر تلك الكآبة التي لا تنفّرنا، بل تدفعنا إلى البقاء داخل الرواية، حتى بعد أن نعرف أن بعض شخصياتها لن تنجو.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.