في متحف التاريخ الطبيعي: البايسون صامد بقوة

—

بواسطة

بوصة


من زيارتي لمعرض “البايسون: صامد بقوة” في متحف التاريخ الطبيعي، سيستمر حتى مايو 2029

هذه المرة عادت هيباتيا من متحف التاريخ الطبيعي بقليل من الحزن، لأنها ظنّت أن حيوان البايسون قد انقرض. أوضحتُ لها ما شاهدناه عن تاريخه في الولايات المتحدة، وأنه لا يزال حيًّا يُرزق، ثم عرضت عليها فيديو للبايسون في البرية، فاستردّت ابتسامتها.

في صباح ذلك اليوم، الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ذهبنا بالقطار إلى محطة سميثسونيان، الواقعة في قلب العاصمة واشنطن، قرب متنزه “ناشونال مول”. ومن هناك مشينا إلى المتحف، لنرى تماثيل ضخمة للبايسون عند المدخل. 

تساءلت في سرّي إن كنت رأيتها من قبل.

كان ذلك المدخل الرئيسي إلى الطابق الأول، حيث يتوسّط المشهد الفيل الأفريقي المحنّط “هنري”، الذي أصبح علامة مألوفة في الصور التذكارية لزائري المتحف منذ عام 1959.

قرأت أسماء القاعات، ثم قلت لهيباتيا: “قاعة الأحافير هذه وجهتنا، حبيبتي، فهناك الديناصورات”، لم أكمل العبارة حتى انطلقت تركض نحوها، يصلني صدى ضحكتها وسط صخب العائلات والأطفال حولنا.

 “تمهّلي ماما، دعينا نبقى معًا كي لا يضيّع أحدنا الآخر”، قلت.

في المرة الماضية بحثنا بلا جدوى عن ديناصور الأنكيلوصور. قلنا ربما نجده هذه المرة، لكن هيباتيا نسيت الأمر، وكانت مثل طائر تحلّق بين المعروضات في قسم الأحافير، ثم المحيطات، وبعدها الثدييات وغيرها من أقسام الطابق الأول، قبل أن نهبط للغداء في الطابق الأرضي، حيث يمكنك تذوّق حساء الفطر البرّي، ولا أشهى!

كان المتحف مكتظًا بالزوّار رغم أنه ليس يوم عطلة، حتى تبادر إلى ذهني أنه ربما المتحف الأكثر تفضيلًا خصوصًا لدى العائلات. ولأجد بعد البحث أنه الأكثر زيارة بين متاحف مؤسسة سميثسونيان عام 2025، مسجلًا نحو 3.3 مليون زيارة.

تتركز الحشود عادة في الطابق الأول، حيث الديناصورات والثدييات والكائنات البحرية وغيرها من المعروضات التي تستقطب الأطفال والعائلات. أما الطابق الثاني، فبدا أكثر هدوءًا.

وهناك، بالمصادفة، وجدنا أنفسنا أمام معرض لم أكن أعرف بوجوده، أخذنا إلى فصل مؤلم من تاريخ هذه الأرض، من خلال حكاية حيوان كاد أن يُمحى من الوجود.

لكن الحكاية بدأت، في الحقيقة، قبل أن ندخل المتحف. فالتماثيل البرونزية التي استقبلتنا عند المدخل كانت بالفعل جديدة، إذ نُصبت في مارس/آذار 2026.

صنعها النحات الأمريكي غاري ستاب بحجم يفوق الحجم الطبيعي بنحو 25%، مستلهمًا نماذج محنطة للبايسون عُرضت في مؤسسة سميثسونيان بين عامي 1888 و1957. والمفارقة أن حيوانات بايسون حقيقية كانت ترعى قبل أكثر من قرن قرب مبنى سميثسونيان التاريخي في العاصمة.

وأثناء بحثي عن حديقة الفراشات في الطابق الثاني، عثرت وهيباتيا على معرض “البايسون: صامد بقوة” الذي افتُتح في مايو الماضي وسيغلق أبوابه الشهر نفسه عام 2029.

لاحقًا عرفت أن حديقة الفراشات تم إغلاقها بعد اثني عشر عامًا على افتتاحها.

يروي المعرض تاريخ هذا الحيوان منذ العصور الجليدية، مرورًا بعلاقته بالسكان الأصليين لأمريكا، وصولًا إلى المذبحة التي كادت تقضي عليه في القرن التاسع عشر، ثم الجهود التي أنقذته من الانقراض.

كنت أعرف البايسون بشكله الضخم وقرنيه القصيرين، لكنني لم أكن أعرف أن هذا الحيوان كان يومًا يجوب سهول أمريكا الشمالية بعشرات الملايين، قبل أن يصبح ضحية واحدة من أكبر عمليات قتل الحيوانات في التاريخ الحديث، في فصل لا ينفصل عن الاستعمار الاستيطاني لهذه الأرض ومأساة سكانها الأصليين.

تُقدّر أعداد البايسون في أمريكا الشمالية قبل الاستعمار الأوروبي بين 30 و60 مليونًا، لكن التوسع الاستيطاني والصيد التجاري وبناء السكك الحديدية، إلى جانب السياسات العسكرية الرامية إلى إخضاع القبائل الأصلية، دفعت به إلى حافة الانقراض.

 وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، لم يبقَ من عشرات الملايين سوى نحو ألف حيوان، وفق تقديرات تاريخية.

لم تكن المسألة مجرد صيد جائر للاستفادة من الجلود واللحوم؛ فقد كان البايسون مصدرًا أساسيًا للغذاء والملبس والمأوى لدى كثير من قبائل السهول الكبرى. وكانت جلود الحيوانات تُستخدم لصناعة الملابس والخيام، وعظامها لصناعة الأدوات، فيما وفرت لحومها الغذاء لمجتمعات بأكملها.

وكان القضاء عليه يعني أيضًا تدمير أحد مقومات حياة هذه الشعوب، ودفعها إلى الخضوع والاعتماد على السلطات التي سلبتها أراضيها.

ففي سبعينيات القرن التاسع عشر، أدرك مسؤولون أمريكيون أن بقاء قطعان البايسون في السهول يمنح القبائل الأصلية القدرة على مواصلة حياتها خارج المحميات المفروضة عليها. 

وتذكر إدارة المتنزهات الوطنية الأمريكية أن الجيش قدّم الذخيرة مجانًا لبعض صيادي الجلود الذين ساهموا في دفع البايسون إلى حافة الانقراض.

هكذا ارتبطت إبادة الحيوان بمحاولة إخضاع الإنسان، وأصبح اختفاء قطعان البايسون من السهول جزءًا من تاريخ أوسع من اقتلاع الشعوب الأصلية من أراضيها وتفكيك أنماط حياتها.

لكن علاقة السكان الأصليين بالبايسون تتجاوز الاحتياجات المادية. ففي ثقافات بعض القبائل، يُنظر إليه بوصفه قريبًا ذا مكانة مقدسة، تربطهم به علاقة روحية متوارثة عبر الأجيال. 

ولا تعني هذه العلاقة مجرد تقديس حيوان بعينه، بل تقوم على تصور للعالم يرى أن الإنسان والطبيعة والكائنات الأخرى مرتبطون بعلاقات من المسؤولية والاحترام المتبادل.

أثّر فيّ مشهد في فيلم وثائقي عُرض داخل المتحف. ظهر فيه أفراد من السكان الأصليين أمام قطيع من البايسون يغنون لحنًا حزينًا مغمضين عيونهم.

انتابتني القشعريرة، خصوصًا بعد استعراض التاريخ القاسي لمجازر البايسون وصورة جبل الجماجم.

في البداية ظننت أنهم يشاهدون البايسون في حديقة طبيعية، لكنه يوثق إعادة إطلاق مجموعة من البايسون إلى البرية؛ فقد شاهدت الحيوانات تنطلق من شاحنات النقل نحو الأرض المفتوحة.

كانت دموعي أبلغ رد فعل على هذا المشهد حتى قبل شرحه.

دفعتني تلك الأصوات إلى البحث أكثر في علاقة قبائل السكان الأصليين بالبايسون، لأكتشف أن الغناء له، والرقص المرتبط به، جزء من تقاليد روحية واجتماعية متعددة، تختلف من شعب إلى آخر.

لدى شعب البلاكفيت (Blackfeet)، الذي ارتبط تاريخيًا بسهول مونتانا وأجزاء من كندا، يحتل البايسون مكانة خاصة في الحياة الروحية والثقافية. ولم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كائنًا ارتبطت به حياة الجماعة واستمرارها، وظهرت مكانته في تقاليدها وصلواتها وطقوسها.

وفي 4 أبريل 2016، شهدت محمية البلاكفيت في مونتانا عودة 87 صغيرًا من البايسون من متنزه إلك آيلاند في كندا، في حدث رافقته مراسم مباركة واحتفاء. لم تكن إعادة الحيوانات إلى الأرض مجرد مشروع بيئي، بل خطوة لاستعادة علاقة تاريخية وروحية انقطعت حين اختفت القطعان من موطنها.

أما لدى شعب الماندان (Mandan)، فقد وُثقت رقصات تقليدية مرتبطة بالبايسون وبالرغبة في عودة القطعان. وكان الغناء والرقص من أشكال التعبير عن علاقة الجماعة بالحيوان الذي اعتمدت عليه في حياتها.

وفي تقاليد الكيووا (Kiowa)، توجد أيضًا أغانٍ ورقصات مرتبطة بالبايسون. ومن اللافت أن مراسم تدشين التماثيل البرونزية الجديدة أمام متحف التاريخ الطبيعي في واشنطن تضمنت أداء أغنية تقليدية لرقصة البايسون لدى الكيووا، قدمها دينيس زوتيغ، وهو فنان ومتخصص ثقافي من السكان الأصليين، ينتمي إلى تراث الكيووا وأوكي أوينغه بويبلو وإيسانتي داكوتا.

أي أن التماثيل التي استقبلتنا عند مدخل المتحف لم تكن مجرد عمل فني جديد؛ فقد ارتبط تدشينها نفسه بحضور ثقافي للسكان الأصليين، وبأغنية تستعيد مكانة الحيوان في تراثهم.

وتوضح المؤرخة روزالين لابيير، المنتمية إلى تراث البلاكفيت والميتي، أن أجدادها علموها أن البايسون مُنح للبشر ليعينهم على الحياة، وأن على البشر في المقابل احترامه وتبجيله.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يكون إطلاق قطيع من البايسون في أراضي أجداده حدثًا يستحق الغناء. فالأمر لا يتعلق فقط بإعادة توطين حيوانات برية، بل باستعادة علاقة بين شعب وأرض وكائن حي، علاقة حاول تاريخ الاستعمار والتهجير أن يقطعها.

ومن بين المعروضات الأخرى، استوقفتني جمجمة هائلة بقرنين يمتدان نحو مترين، تعود إلى نوع قديم من البايسون يُعرف باسم Bison latifrons، عاش في أمريكا الشمالية خلال العصر الجليدي، وانقرض قبل نحو 13 ألف سنة. أما الجمجمة المعروضة، فيُقدّر عمرها بنحو 100 ألف سنة، وقد اكتُشفت في ولاية أيداهو.

كان حجمه أكبر من البايسون المعاصر، وامتلك قرونًا طويلة امتدت إلى الجانبين، بينما يتميز بايسون السهول الحالي بقرنين أقصر وأكثر تقوسًا.

ورغم ذلك، فإن البايسون المعاصر نفسه حيوان هائل؛ إذ يمكن أن يصل وزن الذكر إلى نحو ألفي رطل، أي ما يقارب 900 كيلوغرام، ويبلغ ارتفاعه عند الكتفين نحو متر وثمانين سنتيمترًا.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، بدأت جهود لإنقاذ ما تبقى من البايسون. وكان من أبرز المدافعين عنه عالم الحيوان ويليام تمبل هورناداي، الذي عمل في مؤسسة سميثسونيان، وشهد بنفسه اختفاء القطعان من السهول.

وقد استخدم هورناداي عمله العلمي ومعارض الحيوانات المحنطة للفت انتباه الجمهور إلى خطر انقراض البايسون، ثم شارك مع الرئيس ثيودور روزفلت وآخرين في تأسيس جمعية البايسون الأمريكية عام 1905، التي ساهمت في دعم برامج الحماية وإعادة توطين القطعان.

والمفارقة أن هورناداي نفسه كان قد جمع عينات من البايسون لصناعة المعروضات المتحفية، قبل أن يصبح أحد أبرز المدافعين عن إنقاذ النوع من الانقراض.

لكن إنقاذ البايسون لم يكن إنجاز رجل واحد أو مؤسسة واحدة. فقد بدأت جهود الحفاظ عليه قبل تأسيس الجمعية، حين احتفظ أفراد وعائلات ومربّون بقطعان صغيرة، وساهمت لاحقًا المتنزهات الوطنية ومؤسسات الحماية والمجتمعات الأصلية في استعادة أعداده.

وهناك مفارقة تاريخية أخرى؛ فالجيش الأمريكي الذي ساهم في القرن التاسع عشر في دعم عمليات قتل البايسون، تولى لاحقًا حماية ما تبقى من القطعان البرية في متنزه يلوستون الوطني، حين كان الجيش مسؤولًا عن إدارة المتنزه.

جبل من جماجم البايسون في منشأة «ميشيغان كاربون ووركس» قرب ديترويت، عام 1892. جُمعت الجماجم لمعالجتها صناعيًا واستخدامها في إنتاج الأسمدة والغراء ومواد أخرى، في أعقاب المذابح الواسعة التي كادت تقضي على البايسون الأمريكي خلال القرن التاسع عشر.
الصورة: مجموعة بيرتون التاريخية، مكتبة ديترويت العامة (Burton Historical Collection, Detroit Public Library). الملكية العامة.

في عام 1902، لم يبقَ في القطيع البري الأصلي في يلوستون سوى نحو عشرين حيوانًا. لكن إجراءات الحماية وإدخال حيوانات من قطعان خاصة ساعدت على استعادة أعداده تدريجيًا.

ولعل أكثر ما أثار دهشتي أن البايسون، الذي نشاهده اليوم في مناطق محدودة من الولايات المتحدة، كان يجوب يومًا مساحات شاسعة من أمريكا الشمالية، من أجزاء من كندا شمالًا إلى شمال المكسيك جنوبًا، وكانت قطعانه تنتشر عبر السهول الكبرى وتمتد إلى مناطق أخرى من القارة.

لم يكن موجودًا في جميع الولايات الأمريكية كما تخيلت في البداية، لكنه كان جزءًا من المشهد الطبيعي لمساحات هائلة من القارة، قبل أن تتقلص موائله.

أما اليوم، فقد انحسر وجوده إلى قطعان تعيش في متنزهات ومحميات طبيعية وأراضٍ تديرها قبائل السكان الأصليين، فضلًا عن مزارع خاصة.

وتوجد بعض أشهر القطعان البرية في متنزه يلوستون الوطني، حيث يعيش البايسون ويتكاثر ويتنقل بحرية نسبية، كما فعل أسلافه منذ آلاف السنين. ويُعد يلوستون المكان الوحيد في الولايات الأمريكية المتجاورة الثماني والأربعين الذي استمر فيه وجود قطعان البايسون الحرة منذ عصور ما قبل التاريخ دون انقطاع.

وقد بلغ عدد البايسون في المتنزه نحو 5,300 حيوان قبل موسم الولادات في ربيع عام 2025، موزعين على قطيعين رئيسيين، أحدهما في المناطق الشمالية والآخر في المناطق الوسطى من المتنزه.

وهناك قطعان أخرى في ولايات مثل داكوتا الجنوبية ونبراسكا ويوتا، إلى جانب جهود تقودها قبائل السكان الأصليين لإعادة البايسون إلى أراضيها، ليس فقط بوصفه حيوانًا يحتاج إلى الحماية، بل بوصفه جزءًا من استعادة التوازن البيئي والتراث الثقافي.

وتشير تقديرات إدارة المتنزهات الوطنية إلى وجود نحو 30 ألف بايسون في أمريكا الشمالية ضمن قطعان تُدار لأهداف الحفاظ على النوع، مقابل نحو 400 ألف تُربّى لأغراض تجارية. وهذا يعني أن ارتفاع الأعداد لا يعكس بالضرورة عودة الحياة البرية التي عرفها البايسون قبل قرون.

فالحيوان الذي كان يجوب السهول في قطعان هائلة، ويتنقل عبر مسافات طويلة بحثًا عن الماء والعشب، أصبح وجوده اليوم محكومًا بحدود المتنزهات والمحميات والمزارع، وبالسياسات التي تحدد أين يمكنه العيش وإلى أي مدى يمكنه الانتقال.

لقد نجا البايسون من الانقراض، لكنه لم يستعد كامل الأرض التي كانت موطنه.


كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.