قرن الغزال ساهمًا في بحيرة جنيف

بواسطة

بوصة


لم أشأ أن يكون وداع جنيڤ عابرًا كأن أرتاح للجلوس في ظلال إحدى الأشجار المطلّة على البحيرة، لذا قررتُ السباحة في آخر لقاء بيننا كأنه عناق بين جسدين. فها هو ماء البحيرة العذب الفيروزي يغمر جسدي ويبلّل وجهي وشعري، في يوم أيلولي مثالي، شمس ساطعة لكن لا تحرق، وحركة هادئة للماء لا تخلو من بعض تيارات تحدثها القوارب المارّة في بحيرة جنيڤ، أو كما يسميها الفرنسيون “ليمان”.

وفي غمرة الجمال الهادئ، تسبح بجعة بيضاء بسكينة نحونا، ولا يمكنني أمامها سوى تذكّر عرض الباليه بحيرة البجع الذي شاهدته قبل سنوات، والدهشة لهذا التمادي بين راقصات الباليه والبجعة الحقيقية. تقف على إحدى الضفاف وتنظف ريشها، مستمتعة بوحدتها مدركةً لجمالها الأخّاذ.

ومن تلك البقعة في “لؤلؤة البحيرة” كما أسمتها زوجة مؤسس مصنع ساعات رولكس، نظرت إلى النافورة “Jet d’Eau” جي دو، وإلى جبال الألب، نظرة غير كاملة، لأنني أريد أن أعود إليها. وهناك بجانبي، كانت بعض الأمهات مع أطفالهن، حيث المساحة الخاصة بالسباحة ليست عميقة، وتناسب هذه الفئة العمرية، ومن يخشون الغرق مثلي!

آنذاك، شعرت كأن الأشياء التي ظللت أتنقل بينها خلال أيام من رحلتي الأوروبية الأولى منذ انتقالي لأميركا، اجتمعت فجأة في مشهد واحد، وبدل المشي في جنباتها ببطء تارة وأخرى سريعًا، تطلّ جنيڤ عليّ من جهات مختلفة.

أكثر ما بقي معي من جنيڤ هو هذا الهدوء. لا أعني أنها مدينة ساكنة؛ رأيت شوارع مزدحمة بالمشاة، ومطاعم وبارات ممتلئة، وسياحًا، وقوارب وسيارات، وحياة تستمر حتى المساء. لكنها، رغم ذلك، لم تبدُ لي مدينة صاخبة. هناك حياة كثيرة في جنيڤ، لكنها لا تصرخ.

هل يمتصّ الماء الضجيج؟ ربما..

قبل هذه الرحلة كانت المدينة بالنسبة لي اسمًا صحافيًا في عبارة “اتفاقية جنيڤ الرابعة”، إذ كانت ثيمة متكررة في تغطياتي الصحافية داخل فلسطين وكل ما يتعلق بالشعب القابع تحت الاحتلال.

وهذا الأمر بنى لدي صورة مسبقة لم أفحصها عن قرب، حيث جنيڤ مدينة يجلس فيها أشخاص ببدلات رسمية حول طاولات طويلة، يناقشون الحروب والقانون، ثم يوقعون وثائق تتعلق بحياة أشخاص يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات منهم.

تصورتها جافة وجامدة بلا روح.

ثم رأيتها من الطائرة القادمة من مطار لشبونة في البرتغال.

قبل الهبوط ظهرت بحيرة جنيڤ، فأصابتني الدهشة لحجمها. وهي رابع أكبر البحيرات في سويسرا.

اعتدت، وأنا أطير فوق فلوريدا، أن أستمتع بالنظر إلى ساحل الأطلسي قرب ميامي وفورت لودرديل، إلى خط الماء والفنادق والشواطئ الممتدة. لكن المشهد هنا كان مختلفًا: مساحة هائلة من الماء، واليابسة والجبال من حولها. وكان ذلك أول شرخ في الصورة الغافية في عقلي.

ثلاث نوافذ أنظر منها إلى العالم

خرجت من المطار باتجاه فرنسا، حيث كنت أقيم قريبًا من الحدود. تبعنا “جي بي أس” خاص بالمركبة، لنمر عبر مناطق سكنية في ضواحيها بدل الطريق السريع. وهناك بدأت أرى المدينة قبل أن أصل إلى معالمها. لم أر ثراءً صارخًا كما قد يوحي اسم جنيڤ لمن يسمع عنها من بعيد؛ رأيت بيوتًا وأشجارًا وشرفات صغيرة وواجهات بألوان ترابية دافئة.

وعلى كثير من النوافذ كانت هناك مصاريع خارجية بعضها مصنوع من الأقمشة. توقفت عندها بعيني أكثر من مرة، وفكرت: لماذا أراها هنا كثيرًا، ولا أراها في أمريكا؟ فالمصاريف لدينا تكون من الداخل وليس خارج النوافذ والأبواب الزجاجية.

لاحقًا فهمت أن وجودها خارج النافذة ليس تفصيلًا جماليًا فقط. فالمصراع الخارجي يمنع جزءًا كبيرًا من أشعة الشمس قبل أن تصل أصلًا إلى الزجاج وتتحول إلى حرارة داخل المنزل، ويمكنه في الشتاء، عندما يُغلق، أن يضيف طبقة أخرى تقلل فقدان الحرارة. ولهذا ظلت وسائل التظليل الخارجي جزءًا مهمًا من العمارة الأوروبية، وخصوصًا في البيوت التي تعتمد على التهوية الطبيعية أكثر من التكييف.

وفي سويسرا تحديدًا ما زالت المكيفات المنزلية أقل انتشارًا بكثير مما اعتدت عليه في الولايات المتحدة، وإن كانت موجات الحر الأخيرة تغيّر ذلك تدريجيًا. 

كانت أسئلة صغيرة، لكنها كشفت لي شيئًا حدث معي طوال الرحلة. قبل سنوات، عندما كنت أعيش في فلسطين، كانت فلسطين هي نقطة القياس التي أقارن بها العالم. ثم عشت في الولايات المتحدة نحو عشر سنوات، ومن دون أن أنتبه أصبحت أميركا مرجعًا ثانيًا. وفي أوروبا وجدتني أنظر إلى المكان الواحد من ثلاث نوافذ في الوقت نفسه: فلسطين، وأميركا، والمكان الذي أقف فيه الآن.

كنت أيضًا أعبر باستمرار بين فرنسا وجنيف من دون أن تتغير اللغة حولي. فالفرنسية هي اللغة الرسمية في كانتون جنيڤ، داخل سويسرا متعددة اللغات.

كانت الفرنسية في أسماء الشوارع واللافتات والمطاعم وفي كلام الناس. ولاحقًا، عندما وقفت أمام مقر الأمم المتحدة، كانت اللغة نفسها مكتوبة على المبنى United Nations — Nations Unies.

دخلت أول مرة وسط جنيڤ (الداون تاون) مساء. كانت المتاجر والصيدليات مغلقة، لم يبق سوى محال بقالة صغيرة جدا. لكن المدينة لم تكن نائمة. المطاعم والمقاهي ممتلئة، والطاولات الصغيرة تكاد تخرج من الواجهات إلى الأرصفة.

وفي أحد الشوارع الطويلة كانت السيارات مصطفة على الجانبين تحت شرفات حديدية صغيرة، بينما يمتد مسار الدراجات في الإسفلت.

وكان هناك شيء آخر لفتني: العطور. وصلتني روائح عطور فاخرة كثيرًا وأنا أمشي، وراقبت أيضًا طريقة لباس الناس. بدا لي السكان أكثر ميلًا إلى الملابس البسيطة والألوان المحايدة والعملية، فيما كان السياح، كما يحدث في المدن السياحية، أكثر استعدادًا للصور. أحببت مراقبة الفرق بين شخص يرتدي ملابسه لأنه ذاهب أو عائد من عمله، وآخر يرتديها لأنه في زيارة.

قرب البحيرة كانت هناك عجلة دوارة كبيرة. آخر مرة ركبت فيها عجلة كهذه كانت في لاس فيغاس عام 2018، لكنها كانت مختلفة؛ كبسولات مغلقة تمنحك شيئًا من الأمان. هذه كانت مفتوحة، وخفت منها قليلًا، ثم قلت: لماذا لا؟

ركبنا الدولاب على أي حال، وخفت وضحكت كثيرًا.

ومن الأعلى رأينا ساعة الزهور، التي احتشد حولها السيّاح في نهار يوم آخر.

وفي نهار يوم آخر رأيت ضريح دوق برونزويك. بدا لي في البداية تحفة معمارية وسط المدينة أكثر منه قبرًا، وكان الناس يقفون أمامه ويلتقطون الصور.

سمعت عنه يومها حكايات مختلفة، لكن ما بقي معي كان سؤالًا أبسط: كم واحدًا ممن يقفون هنا لالتقاط الصور يعرف أنه يتصور أمام ضريح؟ وكم مرة نفعل الشيء نفسه أثناء السفر: نقف أمام شيء، نصوره، نعجب به، ثم نرحل من دون أن نعرف حكايته؟

جي دو

مشاهدة صور النافورة التي التقطها زوجي في رحلاته المنفردة إلى جنيڤ، لم تمنع الدهشة ومشاعر الرهبة التي شعرتها كلمّا اقتربت منها، وهو نفسه كان قد شاهدها من مسافة بعيدة ولم يقترب إلى هذا الحد. اقتربنا كثيرًا بحيث التقطنا رذاذها وتبلل شعري وقميصه، وبدونا صغارًا جدًا بجانبها، إذ يصل ارتفاعها لمئة وأربعين مترًا.

بدأت قصتها لا كمعلم سياحي، بل كحل لمشكلة هندسية. ففي عام 1886 كانت محطة Coulouvrenièreالهيدروليكية على نهر الرون توزّع الطاقة المائية لتشغيل آلات الحرفيين والصناعات في جنيڤ، بينهم صانعو الساعات. وعندما كانت الورش تتوقف عن العمل مساءً، يرتفع الضغط في شبكة المياه، لذلك أضيف صمام أمان يسمح بتصريف الضغط، فتندفع المياه إلى أعلى مشكلةً عموداً يبلغ نحو 30 مترًا.

أثار المشهد إعجاب السكان، ومع التطور التقني لم يعد هذا الحل ضرورياً، لكن جنيڤ قررت الاحتفاظ بالفكرة وتحويلها إلى معلم. وبلغ ارتفاعها آنذاك نحو 90 مترًا.

وفي 1951 أُنشئ نظام ضخ مستقل يستخدم مياه بحيرة جنيڤ المصفّاة بدلاً من مياه الشرب، لترتفع النافورة إلى 140 مترًا، أما لونها الأبيض، فينتج من ملايين فقاعات الهواء المختلطة بالماء.

وهكذا تحوّل صمام أمان صناعي وُلد من ضرورة تقنية إلى أشهر رموز جنيڤ.

لكنني لم أفكر في الهندسة وأنا واقفة تحته، كان كل ما أعرفه أنني أحببتها. وفي نهار اليوم الأخير رأيتُ قوس قزح ملاصقًا لها، كانت طريقتها في مبادلتي هدا الحب.

البلدة القديمة

ثم دخلت البلدة القديمة، وهنا، أظن، وقعت في حب جنيڤ.

لم تكن جافة، ولم تكن إدارية، ولم تكن باردة. شوارع ضيقة، حجارة، مبانٍ قديمة، ومدرسة تظنّها بيتًا. مصاريع خشبية وشرفات صغيرة، وأماكن تشعر أن جمالها لم يُصمم من أجل السائح، بل تراكم عليها ببطء.

هناك جنيڤ التي تضع رولكس وديور وشانيل في واجهاتها، وجنيف التي تفوح منها العطور الفاخرة والفنادق الفخمة، لكن هناك أيضًا جنيڤ القديمة، وجنيف التي تجلس فيها على الرصيف ليلًا، وجنيف التي تشرب فيها الماء من نافورة في الشارع.

ملأت زجاجة بالماء من إحدى النوافير وشربت. كان باردًا جدًا، وأعادني الطعم، بطريقة لا تحتاج إلى منطق، إلى ماء الآبار في فلسطين. كان في بيت عائلتي بئران قبل أن يُردم أحدهما. أعرف برودة ماء البئر وطعمه؛ الماء الذي يخرج من الأرض ولا يحتاج إلى زجاجة أنيقة كي يقنعك بأنه منعش.

وفي البلدة القديمة سمعت أيضًا واحدة من تلك القصص التي تبدو كأنها خرجت من حكاية شعبية: امرأة، وجنود يحاولون اقتحام المدينة ليلًا، وقدر طعام ساخن يُلقى على أحد المهاجمين.

عندما عدت إلى المصادر، وجدت أصل الحكاية في ليسكالاد. أي ليلة 11 إلى 12 ديسمبر 1602 حين هاجمت قوات شارل إيمانويل الأول، دوق سافوي، جنيڤ على حين غرة وحاول جنوده تسلق أسوارها بالسلالم. ومن أشهر الشخصيات التي بقيت في ذاكرة تلك الليلة كاترين شينيل، المعروفة باسم مير روايوم، التي ارتبطت قصتها بالقدر الذي ألقت به على أحد المهاجمين.

وتحوّل القدر لاحقًا إلى أحد رموز الاحتفال بـ”ليسكالاد (L’Escalade) ففي ديسمبر من كل عام، يصنع أهل جنيڤ مارميت ليسكالاد (Marmite de l’Escalade)، وهو قدر من الشوكولاتة تستعيد شكل الـمارميت أي قدر الطهي الكبير (باللغة الفرنسية) الذي ارتبط بحكاية المعركة، ثم يكسرونها في طقس احتفالي يستعيد ذكرى انتصار المدينة.

ولأني أحب المصادفات، أعجبني أن تاريخ هذه الواقعة هو يوم ميلادي.

مدينة يمكن عبورها بالقارب

عبرت جزءًا من البحيرة بقارب صغير من مويت جينفواز. هذه القوارب ليست جولات سياحية فحسب؛ هناك أربعة خطوط منها تعبر مياه جنيڤ، وهي داخلة في نظام النقل العام والتعرفة المحلية بحيث يمكن استخدام تذكرة النقل نفسها للقارب والحافلة والترام.

جلست في واحدة منها ورأيت المدينة من الماء. القوارب أولًا، ثم المباني، ثم جاي دو، ثم جبال الألب التي تطل من فرنسا عليها، كما رأيت قمة “مون بلان/ الجبل الأبيض” وهي أعلى نقطة في جبال الألب وأوروبا الغربية.

وهي تظهر فقط حين يكون الجو صافيًا، وذلك ما حصل فعلًا حين سبحت في يوم الوداع، حيث كان إلى جانبي تمثال “المتعانقان” الذي يظهر في مياه “بيرل دو لاك” ووضع هناك عام 1985 بعد أن أتمّه النحات لوران دومينيك فونتانا.

صدفة أخرى، إنه عام ميلادي.

الأمم المتحدة

صفوف من أعلام دول العالم تقود العين نحو قصر الأمم، وفي الساحة نفسها يقف الكرسي المكسور، وهو كرسي خشبي ضخم يرتفع 12 مترًا عن الأرض، ويزن حوالي خمسة أطنان ونصف. بينما كنت ألتقط الصور تحت الرجل المكسورة كأنني رجله الرابعة، بدأت القراءة عنه، وتنتابني القشعريرة. كيف لا وأنا أعرف تمامًا هذا الوجع الذي تخلفه الحروب والنزاعات إلى الأبد، حيث نالت الألغام ومخلفاتها جانبًا كبيرًا من تغطيتي الصحافية ليس في فلسطين فقط، إنما خلال عملي في الولايات المتحدة وتغطية النزعات أو مخلفاتها في كل من العراق وسوريا.

أنجزه الفنان السويسري دانيال بيرسيه عام 1997 بمبادرة من هانديكاب إنترناشيونال، في سياق الحملة الرامية إلى إنهاء الأزمة الإنسانية التي تسببها الألغام المضادة للأفراد. وتصفه المنظمة اليوم بأنه رمز للمدنيين الذين يتعرضون للعنف المسلح ولواجب حماية الضحايا ومساعدتهم.

أكثر ما أثر فيّ لم يكن حجمه، بل ساقه المقطوعة. الكرسي ما زال واقفًا ويحمل ثقله، لكنه لن يعود كاملًا.

هنا كانت جنيڤ التي تخيلتها موجودة فعلًا: الدبلوماسية والمنظمات الدولية والحروب واللاجئون وحقوق الإنسان. لكنها، بعد كل ما رأيته قبلها، لم تعد المدينة كلها.

وبالقرب من مقر الأمم المتحدة لفت نظري مبنى مختلف عن محيطه. قيل لي إنه مخصص للمهاجرين واللاجئين. عدت لاحقًا لأبحث عنه، فعرفت أنه مركز “ريغو للإيواء الجماعي للمهاجرين” في أفنيو دو فرانس، قبالة مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. افتُتح في سبتمبر 2019، وتديره مؤسسة “أوسبيس جينيرال”، وتبلغ طاقته الاستيعابية 370 شخصًا. ويتكون من مبنيين من وحدات خشبية قابلة للتكييف مع احتياجات العائلات والأفراد والأشخاص ذوي الحركة المحدودة.

حين مررت به عبر الترام، رأيت شابة تخرج منه باتجاه المدينة، كانت رؤيتها بمثابة كسر للصورة النمطية التي تعزل المهاجرين في إسكانات بعيدة عن المدن الرئيسة أو في مدن باردة جدًا حتى السكان المحليون لا يصلونها.

فلسطين على شرفة في جنيف

لم تكن فلسطين بعيدة عن كل ذلك.

رأيت علمها أكثر من مرة، في ملصقات وعلى نافذة أو متدليًا من شرفة بيت، وكنت أسعد في كل مرة أراه. لكن أكثر علم بقي معي لم يكن أمام منظمة سياسية ولا في مظاهرة. كان على شرفة بيت عادي: واجهة بلون دافئ، مصاريع خشبية بنية، بعض النباتات، وبينها علم فلسطيني صغير.

رفعت رأسي ورأيته.

لم أكن أعرف من يعيش في تلك الشقة، ولا لماذا وضع العلم، ولا قصته. ولم أكن بحاجة إلى أن أعرف.

بعد سنوات من رؤية اسم جنيڤ في النصوص والتقارير التي تتحدث عن فلسطين، كنت الآن أمشي في جنيڤ نفسها، وفلسطين تنظر إليّ من نافذة.

مررت أيضًا بجامعة جنيڤ وبارك دي باستيون وجدار الإصلاح، حيث تقف الشخصيات الأربع المركزية في النصب: غيوم فاريل، وجان كالفن، وتيودور دو بيز، وجون نوكس. وعلى الجدار العبارة اللاتينية: Post Tenebras Lux —بعد الظلام، النور.

وتعود جذور جامعة جنيڤ إلى الأكاديمية التي أنشئت بمبادرة من كالفن عام 1559، قبل أن تتحول رسميًا إلى جامعة عام 1873 مع إنشاء كلية الطب.

أحببت هذا الوجه من المدينة أيضًا: مدينة مرت فيها أفكار وصراعات دينية وفكرية قبل قرون من وجود الأمم المتحدة نفسها.

عروس البحر

قبل أن نعود لفرنسا لنزور واحدة من أجمل القرى المزدانة بالزهور والنباتات وهي “إيڤوار”، أخذتنا مضيفتنا وقائدة الجولات والرحلات الجميلة نادية لنقطة تعتبر “هيدين جيم” بالنسبة للسياح، حيث تمثال عروس البحر الذي يقع في قلب البحيرة قريبًا من أحد نقاط السباحة الهادئة جدًا داخل منطقة تعتبر بيت الأثرياء في جنيف، أقول “يعني هنا يعيش من يشترون رولكس” فترد ناديا “هنا ملّاك رولكس أنفسهم”.

وعلى الرغم من أننا ما زلنا في جنيف، إلا أن المشهد تغيّر تمامًا قبل الوصول إلى هناك، حيث صارت كروم العنب ملء المساحات على جانبي الطريق، وهي خاصة بإنتاج أنواع عديدة من النبيذ.

وقبل ركن السيارة، أخبرتنا امرأة على وشك المغادرة أنها تلقت غرامة مرورية لأن الباركينغ ممنوع هنا، فقمنا سريعًا بالنزول والذهاب لرؤية التمثال والتقاط الصور وعدنا مسرعين كذلك، وتنفسنا الصعداء حين لم نجد مخالفة.

وعلى صخرة صغيرة كانت عروس البحر المعروفة باسم “لا سيرين دو ليمان” تجلس مديرة ظهرها للشاطئ.

بحسب موقع “تاريخ وحكايات Histoire et Historiettes، وهو موقع سويسري بالفرنسية يروي قصصًا تاريخية ومحلية مرتبطة بجنيف ومحيطها، فإن التمثال البرونزي من صنع النحاتة السويدية ناتاشا سنغر، التي عاشت في جنيف فترة من الزمن بعد زواجها بسويسري.

افتتح التمثال عام 1966، ويصف المقال في موقع “تاريخ وحكايات” الحورية بأنها تنظر بحزن إلى البحيرة، إذ تتأمل المياه وتحلم بأن تتحول لبشرية ولا يقطع شرودها سوى موسيقى الإله الإغريقي بان الذي أضيف منحوتة أخرى للفنانة نفسها بعد عام واحد.

يختبئ بان بين الأشجار في لحظة مواساة عن بُعد بموسيقاه.

وبين جنيف السويسرية و”إيڤوار” الفرنسية طريق يخيّل لك أنه “الكانتري سايد” حيث تقل المباني وتزداد المساحات الزراعية الشاسعة، كروم عنب وزهور عبّاد الشمس، وتغيّر المشهد نفسه يجعل المسافات قصيرة تُقطع بلا ملل. فهذا جانب من حياة السكان المحليين، بعيدًا عن الصور الإنستاغرامية التي تنتظر وجه سائح قد لا يزور المدينة مجددًا.

متنفّس المدينة

المكان الذي بقي معي أكثر من أي معلم آخر في جنيف، كان “البوتانيكال غاردن”، أي حديقة النباتات.

وصلت إليها عبر ممر تملؤه رسومات ملونة؛ حيوانات مرسومة بألوان تكاد تكون طفولية، وجداريات وملصقات، ثم خرجت إلى الأشجار.

هناك بدأت المدينة تختفي.

الأشجار كبيرة إلى درجة أن الإنسان يبدو مثل لعبة صغيرة تحتها، والضوء يتسرب بين الأغصان، وفي أماكن مختلفة تظهر أعمال فنية وسط النباتات، حتى أنك لا تعرف أحيانًا أين تنتهي الحديقة ويبدأ المعرض.

تمتد الحديقة على نحو 28 هكتارًا وتضم مجموعاتها الحية أكثر من 11 ألف نوع وتصنيف نباتي موزعة على عشرات المجموعات. لكن ما أحببته فيها لم يكن الرقم. أحببت شعوري بأنني في مكان معزول صوتيًا تقريبًا عن المدينة رغم أنها لا تزال هناك. شعور يشبه وجودي في “سنترال بارك” بمدينة نيويورك الأميركية، إلا أن الفرق أنك هنا لا ترى ناطحات السحاب تطل على بين حين وآخر.

وفي الحديقة نفسها أكلت في مطعم صغير كانت قائمته في ذلك اليوم تميل إلى المطبخ اللبناني والشامي (فالمنيو ليس شيئا ثابتا) كان هناك طبق من الأرز ورب البندورة أعادني إلى طبق فلاحي كانت أمي تعدّه دائمًا خصوصًا في الشتاء: رز غماس.

وبينما كنت أمشي، لفتت انتباهي تحت واحدة من الأشجار الكبيرة أزهار بنفسجية صغيرة، بتلاتها مرفوعة إلى الخلف، مستلقية تقريبًا بين الأوراق.

عرفتها فورًا، إنها قرن الغزال.

هذه الزهرة من البرية الفلسطينية التي كنت أراها ونحن نبحث عن بيوت الزعمطوط في الجبال، كي نجمع الأوراق ونطبخها لاحقًا بطريقة تشبه لف ورق العنب.

شعرت، للحظة، كأن روحًا فلسطينية مرت من هنا وبقيت. وربما هي أنا بعد أن أغادر، حيث التصقت بها نظراتي وستظلّ ساهمة في زرقة البحيرة وصفاء مائها العذب.

ربما كان هذا أكثر شيء فلسطيني حدث لي في جنيف، مع أنه لم يكن حدثًا أصلًا. لم يكن مظاهرة ولا مؤتمرًا ولا خطابًا عن فلسطين.

كانت مجرد زهرة.

على أرضية إحدى زوايا جنيف كانت عبارات مماثلة مكتوبة بمختلف اللغات

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.