صباح الخير يا أشجار الصفصاف

بواسطة

بوصة


خرجت اليوم (22 آب/أغسطس) قبل موعد شروق الشمس ولكن كعادتي لم أفحص الطقس، لأجد مطرًا خفيفًا بانتظاري عند مدخل البناية. هل أعود لإحضار المظلة أم أكمل طريقي؟ لم أعد.

سيتوقف المطر بين حين وآخر، إنه مجرد مطر، قلت لنفسي.

يوم السبت هو يوم عطلة لأغلبية السكان في العاصمة واشنطن وضواحيها، ولأنني أمشي كل يوم، صرت ألاحظ الفرق في مزاج الطريق بين أيام العمل وعطلة نهاية الأسبوع.

منذ انتقلت من الضواحي إلى المدينة، أصبح المشي جزءًا من يومي. أمشي عادة من البيت مرورًا بكريستال سيتي، باتجاه المتنزه القريب من مطار رونالد ريغان، ثم أعود.

لكنني في ذلك الصباح قررت ألّا أتوقف عند حدود رحلتي المعتادة. سأواصل السير حتى جورج تاون، على الضفة الأخرى من نهر البوتوماك.

كنت قد قطعت هذا الطريق قبل سنوات طويلة، وحان الوقت لأمشيه مرة أخرى.

قادني الطريق إلى الجزء الشمالي من مسار «ماونت فيرنون» الشهير، وهو مسار معبّد متعدد الاستخدامات يمتد لنحو 18 ميلًا بمحاذاة نهر البوتوماك، بين «ماونت فيرنون»، منزل جورج واشنطن، وجزيرة ثيودور روزفلت.

جورج واشنطن هو أول رئيس للولايات المتحدة، وأحد الآباء المؤسسين، وقائد الجيش القاري خلال الثورة الأميركية، كما ترأس المؤتمر الدستوري قبل انتخابه رئيسًا.

ربما بسبب المطر، كان عدد راكبي الدراجات قليلًا على غير المعتاد. لكن العدّائين والمهرولين كانوا في كل مكان. عشرات الأشخاص يركضون تحت السماء الرمادية؛ بعضهم منفردًا، وبعضهم أزواجًا، وآخرون في مجموعات.

أسعدني المشهد.

ثمة شيء جميل في أن ترى كل هؤلاء يقررون الخروج والركض رغم الطقس. لم يكن المطر مستمرًا طوال الوقت؛ كان يتوقف أحيانًا ثم يعود، ويشتد فجأة قبل أن يهدأ من جديد. وحين اشتد في إحدى المرات، احتميت تحت بعض الأشجار، وأخذت استراحة قصيرة لأشرب الماء.

من أجمل ما في هذا الطريق أنه لا يمنحك مشهدًا واحدًا. يتغير المكان من شارع إلى ممر بمحاذاة الماء، ومن جسر إلى ممر خشبي طويل، ثم تجد نفسك فجأة تحت جسور ضخمة تمر السيارات فوقها، وبين دعاماتها الهائلة يمتد الطريق محاطًا بالماء والأشجار.

كان المشهد بالنسبة إلي أشبه بغابة صغيرة نمت تحت الجسور. المدينة فوق رأسي، والسيارات تعبرها، لكنني في الأسفل أمشي بين الأشجار بمحاذاة النهر.

وفي البوتوماك، رغم المطر، كان هناك من يجدّف بقوارب الكاياك.

وعلى الضفة الأخرى ظلت واشنطن ترافقني من بعيد. نصب واشنطن، تلك المسلة البيضاء التي يصعب أن تغيب طويلًا عن الأفق، يظهر ويختفي بين الأشجار، ومعه من بعض زوايا الطريق القبة البيضاء لنصب توماس جيفرسون.

من هذه الضفة تبدو العاصمة مختلفة.

مبانيها ونصبها التذكارية التي نزورها عادة كل واحد منها على حدة تصبح أجزاء من مشهد واحد؛ والنهر يفصل بينك وبين المدينة، ويمنحك في الوقت نفسه أفضل مكان للنظر إليها.

ثم استوقفتني الأشجار.

كنت قد رأيتها من قبل، لكنني لا أذكر أنني رأيتها يومًا بهذه الكثافة. أشجار ضخمة تهبط منها أغصان طويلة وغزيرة حتى تكاد تلامس الأرض. لا تمتد أغصانها إلى الخارج فقط، بل تنحني نحو الأسفل في أقواس، وتصنع حول جذوعها ما يشبه الستائر الخضراء.

توقفت.

كنت أعرف أنني قرأت يومًا عن شجرة تسمى “الشجرة الباكية (النائحة)”ولم أكن متأكدة إن كانت هذه هي.

شعرت برغبة في الاقتراب منها، لا في الاكتفاء بالنظر.

دخلت بين أغصانها.

لمستها وأنا أمشي بينها، ثم احتضنت الشجرة، وبقيت عدة دقائق داخل ذلك الستار الكثيف من الأغصان.

كان في الوقوف هناك شيء من الرهبة.

ليست شجرة تنظر إليها من الخارج فقط؛ تستطيع أن تدخلها. أغصانها تصنع حولك مساحة خاصة، كأن للشجرة غرفة خضراء تخفي من يقف داخلها عن العالم.

وكانت في داخلي مساحة من الحزن، حزنٌ يستحيل معه البكاء.

وقفت تحت الأغصان والمطر يتساقط حولي، وشعرت للحظات كأننا نتقاسم شيئًا واحدًا: السماء والشجرة وأنا.

وحدة تشاركية للحزن؛ .

لكن الغريب أن هذا التوحد لم يجعلني أكثر حزنًا، بل منحني الطمأنينة.

عرفت لاحقًا أن الشجرة هي الصفصاف الباكي، Weeping Willow. واسمها العلمي Salix babylonica، وهو اسم قد يوحي بأن موطنها بابل، مع أن المراجع النباتية الحديثة تضع موطنها الأصلي في شمال وشرق الصين وصولًا إلى كوريا. وقد سجّل لينيوس الاسم العلمي Salix babylonica في القرن الثامن عشر.

أما بابل التي. علقت باسم الشجرة، فترتبط بتقليد قديم ربطها بصورة الأشجار الواردة في المزمور 137: المنفيون عند أنهار بابل، يبكون وطنهم ويعلّقون آلاتهم الموسيقية على الأشجار.

وتنسب المصادر النباتية والثقافية تسمية لينيوس إلى اعتقاده أن هذا الصفصاف هو الشجر المقصود في تلك الصورة، بينما ترجّح تفسيرات نباتية حديثة أن أشجار النص القديم لم تكن Salix babylonica الصينية، وربما كانت نوعًا من الحور النهري.

خطأ أو التباس نباتي قديم جعل شجرة آسيوية تحمل اسم بابل، ومعه، من دون قصد ربما، صور النهر والمنفى والحنين والبكاء.

ثم جاء التاريخ ليضيف إلى الصفصاف منفى آخر.

بعد هزيمة نابليون بونابرت ونفيه إلى جزيرة سانت هيلينا، مات هناك عام 1821 ودُفن في وادي الجيرانيوم. وتوثق مقتنيات تاريخية مرتبطة بنقل رفاته لاحقًا وجود أشجار صفصاف كانت تظلّل قبره؛ بل حُفظت أجزاء من أغصانها بوصفها تذكارات، وتوجد روايات تاريخية عن نقل عُقل منها وزراعتها في أوروبا.

وجدت الشجرة التي التصق باسمها منفى بابل مكانًا لها أيضًا في ذاكرة منفى نابليون.

لكن للصفصاف مفارقته الخاصة.

فهي شجرة عرفها البشر من شكل أغصانها المتدلية بوصفها «باكية»، ومع ذلك تمتاز أنواع الصفصاف بسهولة التكاثر بالعُقل وقدرتها على تكوين جذور جديدة. ربما لهذا تبدو صورة الحزن التي صنعناها حولها ناقصة قليلًا: الشجرة المنحنية نحو الأرض قادرة في الوقت نفسه على الاستمرار والتجدد.

لم أكن أعرف شيئًا من هذه القصص وأنا واقفة تحتها.

كل ما عرفته في تلك اللحظة أن الوقوف تحت شجرة باكية، في صباح ماطر وفي داخلي شيء من الحزن، منحني طمأنينة لم أخرج من البيت بحثًا عنها.

ثم خرجت من أغصانها وواصلت المشي.

بعدها وصلت إلى جزيرة ثيودور روزفلت.

رأيت عائلات مع أطفالها تتجه إلى الجزيرة رغم المطر، وأسعدني المشهد للسبب نفسه الذي جعلني أبتسم للعدّائين في بداية الطريق. الناس لم ينتظروا يومًا مشمسًا كي يخرجوا.

أعرف الجزيرة جيدًا. مشيت مساراتها مرات عديدة وفي كل أنواع الطقس تقريبًا: في الثلج، وفي حر الصيف، وفي الربيع، وتحت المطر.

لكنني في ذلك اليوم لم أنعطف إليها. كان هدفي جورج تاون، فواصلت السير.

جزيرة ثيودور روزفلت نفسها ليست مجرد مكان حمل اسم رئيس. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، أُعيد تشكيل الجزيرة لتكون نصبًا تذكاريًا طبيعيًا للرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة. أراد مصمموها ما وصفته إدارة المتنزهات الوطنية بـ«غابة حقيقية» تستعيد هيئة الطبيعة التي كانت تغطي الجزيرة، وهو اختيار ينسجم مع الإرث الذي ارتبط باسم روزفلت في حماية الأراضي العامة والطبيعة.

وتقول إدارة المتنزهات الوطنية إنه وضع أكثر من 230 مليون فدان من الأراضي العامة تحت أشكال مختلفة من الحماية خلال عهده. مناسبًا أن يكون نصبه هنا جزيرة مغطاة بالأشجار والمستنقعات والمسارات، وليس مجرد مبنى رخامي آخر في العاصمة.

لكن اسم «روزفلت» أخذني أيضًا إلى مكان آخر في ذاكرتي.

كنت قد كتبت قبل سنوات تقريرًا صحفيًا عن إليانور روزفلت، ولذلك لم يكن الاسم غريبًا علي.

إليانور هي ابنة إليوت روزفلت، الشقيق الأصغر لثيودور روزفلت، أي أنها ابنة أخ الرئيس السادس والعشرين. ثم تزوجت فرانكلين ديلانو روزفلت، الذي أصبح لاحقًا الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة. وكان فرانكلين وإليانور نفسيهما قريبين بعيدين من عائلة روزفلت.

لكن ما جعلني أكتب عنها يومًا لم يكن كونها زوجة رئيس ولا ابنة أخ رئيس آخر.

بعد وفاة فرانكلين روزفلت، انتقلت إليانور إلى العمل الدولي، وترأست لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ثم لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. وتصف الأمم المتحدة دورها بأنه كان محوريًا في عملية الصياغة، إلى جانب شخصيات من ثقافات ودول مختلفة، من بينها الدبلوماسي والفيلسوف اللبناني شارل مالك.

ولم تكن إليانور المرأة الوحيدة التي تركت أثرها في الوثيقة؛ فقد شاركت نساء من دول عدة في تشكيل لغتها ومضامينها، وهو جانب من تاريخ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ظل أقل شهرة من صورة إليانور روزفلت المعروفة وهي تحمل نصه.

بضعة أميال من المشي بمحاذاة البوتوماك، تتشابك أسماء تبدو على اللافتات منفصلة عن بعضها: جورج واشنطن في طرف المسار، وثيودور روزفلت عند الجزيرة، وفرانكلين روزفلت على الضفة الأخرى من النهر، ثم إليانور التي يقود اسم عمها إليها وإلى قصة أخرى تتجاوز حدود الولايات المتحدة إلى تاريخ حقوق الإنسان نفسه.

وهذا أحد الأشياء التي أحبها في المشي في واشنطن.

التاريخ هنا ليس محصورًا في المتاحف، تستطيع أن تقرأ شيئًا منه وأنت تمشي.

اسم شارع، جزيرة، جسر، نصب يظهر من بعيد، منزل عند نهاية مسار، أو حتى شجرة لا تعرف اسمها فتعود إلى البيت لتبحث عنها؛ تمر بها أولًا بوصفها جزءًا من المكان، ثم تكتشف أن وراءها أشخاصًا وحروبًا وأفكارًا ونصوصًا وقصصًا أكبر بكثير.

واصلت السير حتى وصلت إلى جورج تاون قبل التاسعة والنصف صباحًا.

كانت معظم المتاجر لا تزال مغلقة، والحي لم يبدأ يومه بالكامل بعد.

أحب جورج تاون كثيرًا. فيها شيء مختلف عن بقية واشنطن: مبانيها القديمة وشوارعها، قربها من الماء، متاجرها التي تميل إلى العلامات والسلع الأعلى سعرًا من التسوق اليومي المعتاد، ومطاعمها المتنوعة التي تنتمي إلى مطابخ وثقافات مختلفة، وحياتها التي تتغير في عطلة نهاية الأسبوع.

لكنني لم أصل مبكرًا من أجل المتاجر أو المطاعم.

ذهبت إلى ضفة النهر، إلى مكان أحبه، وجلست لأستريح، وهناك بينما أنا مشغولة بمدّ قدمي بعد خلع حذائي وجواربي المبتلة، تنفس جلدي أشعة الشمس.

وابتسم قلبي.


كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.