
لا نكتشف دائمًا الضرر الذي يحدثه غياب آبائنا في الطفولة إلا عندما نكبر ونبدأ بالتعرف إلى شخصياتنا داخل العلاقات؛ ليس مع الشركاء فقط، بل مع الأصدقاء، والناس الذين نقابلهم مصادفة أو ننجذب إليهم، وزملاء العمل، وحتى في علاقتنا بالعمل نفسه.
والغياب هنا ليس بالضرورة موت الأب أو رحيله أو تخليه عن الأسرة. قد يعيش الأب في البيت نفسه، ونراه كل صباح ومساء، ومع ذلك يكون غائبًا عن جزء أساسي من حياة أبنائه. غائبًا عن حاجتهم إلى الحب والاهتمام والقبول، أو عاجزًا عن منحهم الشعور بالأمان، أو عن تقديم نموذج يرشدهم وهم يشقون طريقهم في الحياة.
في حالات أخرى يكون حضوره نفسه مؤذيًا: أب عنيف، أو متلاعب، أو مدمن، أو أب يجعل حبه مشروطًا بالطاعة والنجاح وتحقيق ما يريده هو.
لهذا كان الأب، حاضرًا وغائبًا، ثيمة عميقة في تحليل سلوك كثير من الشخصيات في الدراما والسينما الأميركية، أحدث ما شاهدته منها مسلسل “لاكي” إنتاج أبل. ليس لأن الأب يحدد مصير أبنائه وحده، ولكن لأن علاقتنا المبكرة بمن نعتبرهم مصدرًا للحماية والحب والسلطة يمكن أن تدخل في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين لاحقًا.
في Dexter مثلًا، ليس هاري مورغان والد دكستر البيولوجي، بل الأب الذي تبناه. ومع ذلك يصبح الشخصية الأبوية الأكثر تأثيرًا في حياته. يدرك هاري مبكرًا ميول ابنه العنيفة، وبدلًا من أن يكون حضوره طريقًا للخروج منها، يصنع لها نظامًا؛ “كود هاري” الذي يحدد لدكستر من يقتل وكيف يتجنب اكتشافه.
وحتى بعد موت الأب، يستمر حضوره في عقل دكستر كأنه صوت داخلي يحاوره ويجادله. يغيب هاري جسديًا، لكنه يبقى داخل ابنه، وربما يكون هذا أحد أكثر أشكال حضور الآباء إثارة: أن يموت الأب، بينما تستمر طريقته في رؤية العالم في رأس الابن.
أما Bates Motel فيأخذ العلاقة بين الأسرة والعنف إلى مكان أكثر قتامة. نورمان بيتس ينشأ في عالم من العنف والاضطراب، مع أب عنيف ومدمن على الكحول وعلاقة شديدة التعقيد بأمه. هنا لا يقدم المسلسل الأب بوصفه تفسيرًا بسيطًا لتحول نورمان إلى قاتل، بل يجعل الأسرة كلها جزءًا من البيئة النفسية التي تتشكل داخلها شخصيته. فالطفل لا يشاهد العنف فقط؛ إنه يتعلم أيضًا ما تعنيه القوة، ومن يملكها، وكيف تُستخدم، وماذا يفعل الإنسان عندما يشعر بالعجز أمامها.
وهذه الفكرة تقترب مما تقوله نظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا: نحن لا نتعلم من التعليم المباشر وحده، وإنما من الملاحظة أيضًا. فالطفل يراقب الأشخاص المهمين في عالمه، ويرى كيف يتعاملون مع الغضب والضعف والحب والسلطة والخلاف.
والأب هنا لا يؤثر في أبنائه فقط عندما ينصحهم؛ قد يؤثر فيهم تحديدًا عندما لا يعرف أنه يعلمهم شيئًا.
قد يرى الابن أباه يستخدم العنف كلما شعر بأن سلطته مهددة، أو يحتقر التعبير عن المشاعر، أو يهرب من المسؤولية، ثم يجد نفسه بعد سنوات يعيد بعض السلوك نفسه الذي كان يكرهه فيه. ليس لأن التقليد قدر محتوم، ولا لأن كل طفل سيعيد سلوك والده، بل لأن الملاحظة واحدة من الطرق التي يتعلم بها البشر أنماط السلوك، إلى جانب عوامل وتجارب أخرى كثيرة.
وقد يحدث شيء مشابه، وإن بصورة مختلفة، في علاقة الابنة بأبيها. قد تتشكل بعض تصوراتها المبكرة عن القوة والحب والسلطة وهي تراقب العلاقة بين والديها: من يتكلم ومن يصمت؟ من يقرر؟ من يخاف خسارة الآخر؟ من يملك المال؟ وكيف يعامل الرجل المرأة التي يقول إنه يحبها؟ لكن هذه المشاهدات لا تنتج مسارًا واحدًا لدى جميع البنات؛ قد تدفع واحدة إلى التماهي مع الطرف الذي تراه أقوى، وأخرى إلى رفض نموذجه تمامًا، وثالثة إلى إعادة إنتاج علاقة مألوفة من دون أن تدرك في البداية لماذا تبدو مألوفة.
ولهذا ربما يكون Succession واحدًا من أكثر الأعمال وضوحًا في تقديم الأثر الأبوي من دون الحاجة إلى قاتل متسلسل أو جريمة. لوغان روي موجود في حياة أبنائه طوال الوقت تقريبًا، لكنه يجعل الحب والاعتراف والسلطة متشابكة إلى درجة يصعب فصل أحدها عن الآخر. كيندال وشيف ورومان وكونور بالغون، أثرياء، يملكون من الموارد ما يكفي للاستقلال عنه، ومع ذلك يبدو كل واحد منهم، بطريقة مختلفة، طفلًا ينتظر من أبيه أن يقول له أخيرًا: أراك، وأختارك، وأنت جدير بأن تأخذ مكاني.
الأب هنا لم يغب عن البيت إنما الحب غير المشروط. كان الغائب الأبرز.
وتكمن قسوة هذا النوع من العلاقات في أن الإنسان قد يقضي جزءًا من حياته البالغة محاولًا الحصول بأثر رجعي على شيء شعر أنه لم يحصل عليه في طفولته. ينجح أكثر، يعمل أكثر، يبحث عن الاعتراف، يثور على الأب ثم يعود إليه، أو يدخل علاقاته الجديدة حاملًا معه بعض توقعاته القديمة عن القرب والأمان والرفض.
وهنا تقدم نظرية التعلّق إطارًا ممكنًا لفهم جزء من ذلك، لا معادلة تحدد مصير الإنسان. فمن خلال علاقاتنا المتكررة مع الأشخاص المهمين في حياتنا، نبني ما يسميه الباحثون “نماذج العمل الداخلية”: تصورات وتوقعات عن أنفسنا والآخرين داخل العلاقات. هل يمكنني الاعتماد على الآخر حين أحتاج إليه؟ هل سيستجيب لي؟ هل أنا جدير بالرعاية والحب؟
وقد تمتد آثار هذه النماذج إلى العلاقات العاطفية في الرشد. لدى بعض الأشخاص يظهر قلق التعلق، فتزداد حساسيتهم لاحتمالات الرفض أو الفقد ويصبح الأمان في العلاقة شديد الأهمية. وعند آخرين يظهر تجنب التعلق، حيث يصبح الحفاظ على الاستقلال والمسافة العاطفية وسيلة للحماية، وقد يشعر الشخص بعدم الارتياح تجاه الاعتماد المتبادل أو القرب العاطفي الشديد.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدو الالتزام نفسه مقلقًا لبعض الناس. فبعض الدراسات وجدت ارتباطًا بين التعلق التجنبي والنفور من الالتزام وتوقع فشل العلاقة. ولذلك قد لا يكون الابتعاد دائمًا دليلًا على غياب الرغبة في الحب؛ قد يكون، لدى بعض الأشخاص، طريقة لتجنب نوع من القرب يشعرون معه بأن استقلالهم أو أمانهم أصبح مهددًا.
إذا لم أسمح لنفسي بأن أحتاج إليك تمامًا، فلن يكون فقدك قادرًا على هدم عالمي تمامًا.
وثمة مفهوم آخر في علم النفس يقترب من جانب مختلف من هذه التجربة هو “مخطط الهجر“: توقع داخلي بأن الأشخاص المهمين في حياتنا قد لا يبقون، وأن الاستقرار العاطفي قابل للانقطاع.
وفي إحدى الدراسات على بالغين مروا بانفصال أو طلاق والديهم في طفولتهم، ارتبط ذلك بأنماط من التعلق القلق والتجنبي في الرشد، وكان توقع الهجر أحد العوامل التي فسرت جزءًا من هذه العلاقة.
لا يعني ذلك أن انفصال الوالدين يصنع بالضرورة بالغًا خائفًا من الحب، ولا أن كل غياب للأب يؤدي إلى النتيجة نفسها، وإنما يشير إلى أحد المسارات الممكنة التي قد تنتقل عبرها بعض خبرات الطفولة إلى توقعاتنا اللاحقة عن العلاقات.
وقد تظهر مخاوف العلاقات في صور تبدو متناقضة: شخص يحتاج باستمرار إلى الاطمئنان إلى أن الآخر لن يتركه، وشخص يحافظ على مسافة آمنة كلما ازداد القرب. وبينهما طيف واسع من الطرق التي يتعامل بها البشر مع حاجتهم إلى الحب وخوفهم من فقده.
وربما يمتد هذا الخوف، لدى بعض الناس، إلى ما هو أبعد من اختيار الشريك: إلى القلق من تأسيس عائلة أصلًا. ماذا لو تكررت الحكاية؟ ماذا لو غاب الأب مرة أخرى؟ أو ماذا لو اكتشف الإنسان يومًا أنه أصبح يعيد، من دون أن يقصد، بعض ما أمضى حياته محاولًا الهرب منه؟
لكن هنا توجد فكرة لا تقل أهمية عن كل ما سبق: الطفولة ليست حكمًا نهائيًا.
فالنماذج الداخلية التي تتحدث عنها نظرية التعلق ليست أقدارًا مغلقة. العلاقات اللاحقة، والخبرات الجديدة، والوعي بالنمط المتكرر، وأحيانًا العلاج النفسي، يمكن أن تعدل الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والآخرين.
ويمكن لمن تعلم مبكرًا أن القرب غير آمن أن يختبر علاقة يصبح فيها القرب آمنًا، ويمكن لمن توقع الهجر طويلًا أن يتعلم بالتجربة أن بعض الناس يبقون.
ربما لهذا يكون الوعي نفسه نقطة تحول.
فالذين تعرضوا لخيبة الأب بصورة أكثر قسوة — أب استغلهم أو عنّفهم أو تخلى عنهم جسديًا أو اقتصاديًا، أو شاهدوه يعنّف الأم، أو كان هو نفسه غارقًا في العنف أو الإدمان — قد يجد بعضهم طريقة للنجاة بأن يصنع في داخله نموذجًا مختلفًا للأب الحقيقي، وأن يحب ذلك النموذج وينتمي إليه، حتى تأتي لحظة تصطدم فيها الصورة بالواقع.
وقد لا تأتي.
فالوعي النفسي ليس لحظة تلقائية. أحيانًا يتطلب سنوات من التجارب، وأحيانًا لا يحتاج سوى جملة واحدة ترن في أذن شخص ما، فيبدأ بعدها بربط أشياء ظل يراها منفصلة طوال حياته.
وهذا تقريبًا ما يحدث مع “لاكي”.
منذ طفولتها المبكرة يستخدمها والدها لتصبح محتالة ولصة ومخادعة، تتعلم اكتشاف نقاط ضعف الآخرين واستغلال ثقتهم وإحسانهم لتحقيق مآربه. لكنها لا ترى علاقتها به بهذه الصورة. إنه والدها، وهي تحبه، وطاعته جزء من العالم الذي نشأت داخله.
إلى أن يقول لها زوجها، في لحظة انهيار حياتهما معًا: “لقد كنا سعداء، لكنك لا تستطيعين رفض أي طلب لوالدك، وها نحن ذا”.
الجملة لا تغير حياتها فورًا، لكنها تضع اسمًا لشيء لم تكن تريد رؤيته.
تخسر الرجل الذي أحبها بصدق وأحبته، ثم تتوالى الأحداث حتى تضطر أخيرًا إلى مواجهة الحقيقة التي طالما أجلتها: لم تكن بالنسبة إلى والدها ابنة ينبغي حمايتها بقدر ما كانت، كما يقول لها وايتكر، “بيدقًا في لعبته”.
وهنا يصبح تحرر لاكي مختلفًا عن الانتقام التقليدي من الأب. هي لا تنتظر اعتذاره، ولا تنتظر أن يفهم ما فعله بها، ولا تبني نجاتها على احتمالية أن يتغير.
تكتب إليه في النهاية: “أنا أحبك، لكنك لن تراني مجددًا”.
ربما تكون هذه الجملة هي اللحظة الأكثر نضجًا في علاقتها به، لأنها تجمع حقيقتين تبدوان متناقضتين: يمكن أن نحب شخصًا، وأن نفهم في الوقت نفسه أن وجوده في حياتنا يؤذينا. ويمكن أن يكون الشخص أبانا، من دون أن يمنحه ذلك حقًا أبديًا في الوصول إلينا.
ينتهي المسلسل باختيار لاكي الانعتاق من والدها والبحث عن حياة طبيعية، آملة بأن تستطيع عيشها. لكن السؤال الذي يتركه أكثر إثارة للاهتمام من مصيرها نفسه: ماذا يحدث عندما نغادر الأب أخيرًا؟
هل يكفي أن نقطع المسافة الجسدية بيننا وبينه، أم علينا بعد ذلك أن نتخلص من الأب الذي استقر طوال تلك السنوات في داخلنا؟
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.