
في المسلسل الإيطالي “فيديلتا/الإخلاص” الذي يعرض على شبكة نتفليكس، تشك الزوجة (مارغاريتا) بوجود علاقة بين زوجها الأستاذ الجامعي (كارلو) وإحدى طالباته (صوفيّا). تعمل مارغريتا في التسويق العقاري، لكنها في الأصل معماريّة لم تحقق حلمها في التصميم الداخلي. أما زوجها، فهو كاتب عالق في روايته الثانية، لا يستطيع إنهاءها.
جميلة وجذابة هي مارغريتا، وبينها وزوجها علاقة حب وطيدة، لكن الشك يبدأ صغيرًا من حدث وصفه كارلو بأنه “ليس مهماً”. تسأل عن اسم الطالبة، وتبحث عن حساباتها في مواقع التواصل، فترى جسدًا عشرينياً معجونًا بالبراءة والإثارة.
يقودها الشك إلى الجامعة، ثم إلى مكان عمل الفتاة، وأخيرًا إلى الشقة التي تستأجرها. وهناك تقع عينها على النسخة الكاملة من رواية زوجها فوق مكتب الطالبة، رغم أنه وعدها يومًا بأنها ستكون أول من يقرأها.
قبل ذلك، كانت قد استرقت السمع إلى حديث بين صديقين للعائلة. اكتشف الزوج خيانة زوجته، فسألها: لماذا؟ فأجابته: “نحن عالقان مع الكثير من الخطط دون أن ننجز شيئًا.”
المشهد لم يكن بحاجة إلى كلام، تكفي العينان اللتان تخبرانك “أولسنا كذلك أيضًا؟!”.
لكنني، وأنا أشاهد، حاولت تحليل فكرة خطرت على بالي: لماذا يبدو وقع الخيانة أشد على كثير من النساء حين تكون المرأة الأخرى أصغر سنًا، مقارنة بامرأة أجمل (طبعًا بمعاييرها)؟
هل لأن المرأة نفسها تعي تماماً ماذا يعني أن يكون المرء عشرينيًا نفسيًا وجسديًا؟ كيف ننظر لأنفسنا وينظر لنا الآخرون حين نكون في العشرين. هي أشياء نعلمها تماما لأننا جربناها، بينما لم نجرب مثلاً أن نكون على هيئة شخص آخر. أو لأن الجمال مسألة يمكننا التحكم فيها، أمّا العمر، فذلك مستحيل.
هل يمكن أن يعود الزمن للوراء؟
كأن هذه المرأة تصارع فكرة “هي” الآن و”هي” في السابق. ربما إذًا لا يقتصر الأمر على فعل الخيانة نفسه.
تقف صوفيّا عند عتبة الحياة التي عبرتها مارغريتا بالفعل منذ زمن. فهناك أشياء لا يمنحها العمر إلا مرة واحدة: الحب الأول، الدهشة الأولى، ذلك الشعور بأن المستقبل لا يزال مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي. ليست المسألة أن الشابة أجمل، بل أنها تعيش للمرة الأولى ما لن تستطيع المرأة الأخرى أن تعيشه للمرة الأولى مرة ثانية.
وربما لهذا تبدو الغيرة، في جوهرها، أقل تعلقًا بالشخص الآخر مما هي تعلق بالزمن نفسه. فالشابة ليست خصمًا بقدر ما هي تذكير بأن هناك نسخة منا عاشت تلك البدايات، ثم ابتعدت بصمت.
في كتابها The Coming of Age، تناقش سيمون دي بوفوار مفارقة الشيخوخة؛ فالإنسان لا يشعر من الداخل بأنه أصبح شخصًا آخر مع تقدمه في العمر، لكنه يكتشف ذلك عندما تبدأ نظرة الآخرين إليه بالتغير. وكأن الشيخوخة ليست مجرد تحول في الجسد، بل تجربة تُفرض علينا من الخارج بقدر ما نعيشها من الداخل.
وربما لهذا لا يكون حضور المرأة الأصغر مؤلمًا لأنها أجمل أو أكثر جاذبية، بل لأنها تجعل المرأة الأخرى ترى نفسها بعيني العالم، لا بعينيها هي.
وقد التقطت المخرجة والناقدة الأميركية سوزان سونتاغ هذا الجانب من التجربة في مقالها الشهير The Double Standard of Aging. كانت ترى أن المجتمع لا يتعامل مع الشيخوخة بوصفها تجربة إنسانية مشتركة، بل يمنح الرجل والمرأة معيارين مختلفين تمامًا. حتى إنها كتبت: “Only one standard of female beauty is sanctioned: the girl.” أي: “لا يُعترف إلا بمعيار واحد لجمال المرأة: الفتاة.”لذلك قد يكون جزء من الألم الذي تشعر به المرأة أمام شابة أصغر منها ليس ألم الزمن وحده، بل ألم المعيار الذي يختزل قيمتها في قربها من صورة الشباب.
لكن الزمن نفسه لا يقول ذلك بالضرورة. هنا أجد نفسي أميل إلى كارل يونغ أكثر من أي مفكر آخر. كان يرى أن منتصف العمر ليس بداية الانحدار، بل بداية رحلة مختلفة تمامًا. ففي كتابه Modern Man in Search of a Soul يكتب: “Thoroughly unprepared, we take the step into the afternoon of life.” ــ “ندخل إلى ظهيرة الحياة ونحن غير مستعدين لها.”والمقصود بظهيرة الحياة ليس الأفول، بل المرحلة التي تتغير فيها الأسئلة. فبعد سنوات ننشغل فيها بما سنصبحه في أعين الآخرين، يبدأ سؤال آخر في الظهور: من أنا حقًا؟ وربما لهذا لا يكون النضج خسارة للشباب، بل بداية علاقة مختلفة مع الذات.
من جهة أخرى، تكشف أعمال الروائي الفرنسي مارسيل بروست عن الزمن والذاكرة أن الماضي لا يغادرنا حقًا، بل يظل كامنًا في داخلنا، ينتظر رائحة أو مشهدًا أو وجهًا ليوقظ إحساسًا ظنناه انقضى. ولعلّ صوفيا في ذلك المسلسل لم تكن، بالنسبة إلى الزوجة، مجرد امرأة أخرى، بل أصبحت المرآة التي انعكس عليها زمنها الشخصي؛ فلم ترَ فيها شابةً تنافسها، بقدر ما رأت المرأة التي كانتها هي ذات يوم، بكل اندفاعها، وبكل يقينها أن الحياة لا تزال في بدايتها.
لم أنه المسلسل بعد، لكني شعرت أنني أريد أن أكتب عن هذه التساؤل، ربما تحمل الإجابة شيئًا من الحقيقة، فالحقيقة الكاملة تعرفها التجربة فقط والقدرة على فهم الذات. أعني كل ذات مرت بتجربة مشابهة.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.