تغريب الجسد في عُرف الاحتلال الإسرائيلي

في توثيق الجرائم الإسرائيلية الممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين، تنتشر دائماً صور “قبل” و”بعد”. وهي صور تملك قدرة مرعبة على أن تنقل، في تباينها الخاطف، حجم ما تعرض له الإنسان من تعذيب وتجويع وعزل ممنهج، حتى لو لم تنطق الضحية بكلمة واحدة.
بعض الأسرى يخرجون على كراسٍ متحركة، وآخرون تخذلهم أجسادهم المنهكة عن حملهم فيسقطون قبل معانقة عائلاتهم، وبعضهم يفقد أجزاءً من ذاكرته تحت وطأة التنكيل المستمر في الزنازين، أو يخرج بأمراض وإصابات مزمنة سترافقه بقية حياته.
لكن خلف هذه المشهدية الصادمة التي يستهلكها الإعلام كصدمة بصرية عابرة، ثمة أبعاد وجودية ونفسية عميقة. كتب الصحافي مجاهد مفلح خلال مرحلة العلاج من آثار التعذيب والتجويع التي تعرض لها في السجن مدة ثمانية شهور:
“14 شهرًا من السجن ورحلة علاج طويل لم تكن مجرد وقتٍ عابر، بل كانت عمرًا كاملًا من الوجع؛ أيامٌ ثقيلة عشت فيها الجوع حتى صار الخبز حلمًا، والعطش، حتى غدت جرعة الماء نعمة، ومررت فيها بأشكال من الإذلال والتعذيب تكفي لأن تغيّر ملامح الروح قبل الجسد.
هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره. رأيت الوقت متجمّدًا، والدقائق تمضي كأنها سنوات، ورأيت كيف يكشف البلاء حقيقة الوجوه والمواقف؛ من بقي، ومن غاب، ومن كان حضوره مجرد وهم.
ثم جاءت رحلة العلاج الطويلة، كامتدادٍ لذلك الألم؛ وجعٌ فوق وجع، ومحاولة يومية لاستعادة ما سُلب من الجسد والروح.
في هذه الرحلة القاسية، أدركت أن النعم التي كنا نعدّها عادية كانت أثمن مما تخيّلنا: لقمة شبع، نومٌ آمن، نفسٌ بلا ألم، خطوة بلا عجز، ووجهُ حبيبٍ تراه بلا قيود.
أربعة عشر شهرًا كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي روح الإنسان نفسها.
بعض التجارب لا تمرّ بنا فقط، بل تحفر في أعماقنا حقيقةً لا تُنسى: أن ما نملكه اليوم قد يصبح غدًا أمنية، وأن أبسط النعم… قد تكون أعظم ما في الحيا ئق تمضي كأنها سنوات، ورأيت كيف يكشف البلاء حقيقة الوجوه والمواقف؛ من بقي، ومن غاب، ومن كان حضوره مجرد وهم.
في هذه الرحلة القاسية، أدركت أن النعم التي كنا نعدّها عادية كانت أثمن مما تخيّلنا: لقمة شبع، نومٌ آمن، نفسٌ بلا ألم، خطوة بلا عجز، ووجهُ حبيبٍ تراه بلا قيود”
لم يبدأ بالحديث عن تبدل ملامح وجهه، ولا عن العمليات الجراحية التي خضع لها، بل عن الإذلال الذي “غيّر ملامح الروح قبل الجسد”. كتب عن الكرامة والحرية، وعن الألم الذي لا ينتهي بكسر قيد السجن، بل يمتد في رحلة علاج وإعادة ترميم شاقة.
إن محاولة فهم تجربة الأسر لا تقف عند حدود الرصد الفيزيائي للجسد، فهذا فيه اختزال مجحف لتجربة نضالية معقدة. لكن وسط هذا الشهادات المتراكمة للجرائم الإسرائيلية، خطر لي سؤال ماذا يحدث لعلاقة الفلسطيني بنفسه عندما يتغير جسده بفعل ممارسات الاحتلال المنهجية؟
اعتادت الأدبيات الاستهلاكية النظر إلى الجسد باعتباره “مِلكيّة” نملكها أو غلافاً خارجياً نعتني بمظهره. لكن الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي، في أطروحته حول “فينومينولوجيا الإدراك”، يطرح تصوراً أعمق؛ فهو يرى أن الجسد مرساتنا في الوجود، نحن لا نحمله كحقيبة، بل نسكن العالم من خلاله. نحن نرى، ونصافح، ونقاوم، ونركض، ونحتضن، ونتعرف إلى الآخرين عبر هذا الجسد.
لهذا السبب، عندما ينتهك الجلاد الصهيوني الجسد ويغيره قسراً عبر التعذيب والتجويع، فإنه لا يستهدف تدمير الخلايا العضوية فحسب، بل يمارس سياسة تعذيب سياسي تهدف إلى ما يسمى في علم الاجتماع “الموت الاجتماعي” للضحية؛ أي تحويله إلى كائن مغترب عن ذاته، غريب عن جسده، ليعود إلى مجتمعه محطماً وينشر الإحباط. إن الزلزال هنا لا يحدث في المرآة وحدها، بل إن ما يتشقق هو شبكة العلاقات الرابطة بين الإنسان والعالم، والجسور الممتدة بينه وبين ذاته.
تتقاطع هذه الرؤية الفلسفية مع أبحاث علم النفس الحديث حول صدمات العنف السياسي المنظم؛ حيث تشير الأدبيات العيادية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب إلى أن معاناة الناجين لا تنبع فقط من حجم الضرر العضوي، بل من تصدع “المخطط الجسدي الباطني” (Body Schema)، وهو الصورة الذهنية والحسية العميقة التي يبنيها الإنسان عن نفسه وعن قدرته على الفعل والتحرك في بيئته عبر سنوات عمره.
حين يتغير الجسد بفعل عنف عسكري وسادي مستمر، يجد الناجي نفسه يخوض مواجهة من نوع آخر بعد التحرر: مواجهة مجبر فيها على “إعادة التفاوض” مع إحساسه بالهوية، ومحاولة استعادة تلك الألفة الصامتة التي كانت تجمعه بوجهه وبنيته. وتصبح النظرة المجتمعية الممزوجة بالشفقة، أو التحديق، أو اختزال الكائن في تداعيات إصابته، عائقاً إضافياً أمام هذا الترميم الباطني.
هنا تحديداً، تكتسب صور “قبل” و”بعد” بعداً إشكالياً خطيراً. إنها إذ توثق الجريمة لإدانة المحتل، فإنها من دون أن تقصد تصنع سردية بصرية قسرية؛ تعلن ضمناً أن هناك “نسخة أصلية حقيقية” للإنسان قد أُبيدت، وهناك “نسخة مشوهة” خلّفها الألم.
لكن، ماذا لو كان الأسير المحرر يرفض هذا الانكسار؟ ماذا لو كان الصمود في نظره يعادل رفض فكرة أن الجلاد قد انتصر بـ “تغيير ملامحه”؟
تؤكد دراسات “النمو بعد الصدمة” (Post-Traumatic Growth) أن التشافي الحقيقي لضحايا العنف الممنهج لا يمر أبداً عبر محاولة “العودة للماضي” أو استرجاع النسخة القديمة من الذات، بل يمر عبر احتضان الجسد الجديد بمتغيراته ودمج الندبة كجزء أصيل من الهوية المقاوِمة، لا كعلامة انكسار.
بناءً على هذا، فإن أكثر ما يحتاج إليه الناجي ليس التطمين بأنه “سيعود تماماً كما كان”، بل مَـنْحه الوقت، والمساحة الآمنة، والاحتضان المجتمعي لإعادة بناء ألفته مع جسده باعتباره شهادة حيّة على الجريمة، وقد يكتشف أثناء ذلك كيفية مواصلة العيش بهويته الجديدة.
إن احترام تجربة الناجين من معتقلات الاحتلال الإسرائيلي يبدأ من الاعتراف بأننا لا نملك الإحاطة الكاملة بحجم المعركة الصامتة التي يخوضونها بعد التحرر.
وربما نصوغ أسئلة جديدة حيال صور “قبل وبعد”، مثل “كيف يسترد الإنسان ألفته مع نفسه عندما يُجبر على العيش في جسد حوّله الجلاد إلى ساحة معركة؟”
هذا السؤال يضع مسؤولية أخلاقية وسياسية تفوق مجرد التضامن العاطفي العابر على منصات التواصل. فبينما نستمر في توثيق الجرائم ومقارنة الصور لإدانة المحتل، يجب ألا يسقط منا الإنسان كاملاً وسط انشغالنا بالدليل البصري بحيث لا نرى الأسير كأنه مجرد “مسافة ممتدة بين قبل وبعد”، بل بوصفه ذاتاً حية تخوض اليوم معركة “استرداد الذات وترميم الألفة”؛ وهي معركة وجودية لا تقل شراسة عن معركته وراء القضبان.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.