نحن كفئات “غير هشّة”

بواسطة

بوصة


لأن أحدًا لم يعترف بعد، ربما عليّ أن أعترف.

أنا واحدة من هؤلاء الذين كلما فكّروا في تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ذهب ذهنهم مباشرة إلى الأطفال والمراهقين باعتبارهم الأكثر هشاشة، وما زالوا في طور تشكّل هوياتهم. وكأننا نحن الذين تجاوزنا العشرينات والثلاثينات وما بعدها أصبحنا أقل تأثرًا، أو ربما اكتملنا وصِرنا محصنين ضد العواصف.

لكنني، على الأقل، لم أكن كذلك.

منذ أن أنشأت حسابًا على فيسبوك عام 2009، وعلاقتي بمواقع التواصل تتأرجح بين الحاجة والقطيعة. نحن الذين كنا في الجامعة آنذاك شهدنا ولادة هذا العالم تقريبًا. ساهمنا في رسم حدوده الأولى: ما الذي يقال وما الذي لا يقال، وما الذي يُعدّ خاصًا أو عامًا. ثم شيئًا فشيئًا تغيّرت الحدود، وأُعيد رسمها مرات لا تُحصى، حتى فقدنا القدرة على تمييز أين تنتهي.

اليوم، لا أشعر أن لدينا سلطة كبيرة على ما نراه، بقدر ما صارت للخوارزميات سلطة على ما نفكر فيه ونرغب به ونخاف منه. يكفي أن نقف أمام صورة لثوانٍ أو نقرأ عنوانًا أو نتحدث بجانب هواتفنا عن موضوع ما، حتى تبدأ الشاشات بإعادة ترتيب يومنا.

الأخطر أننا غالبًا لا نلاحظ ذلك.

قبل سنوات، قلت لسامر إنني جئت إلى أميركا بشخصية ظننت أنها سترافقني إلى الأبد، ثم وجدت نفسي أعيد تعريفها من الصفر، وكأنني أولد من جديد. بالنسبة لي كان ذلك مرهقًا، أما هو فرآه فرصة جميلة ليعيش الإنسان أكثر من حياة.

كان حديثنا عن الهجرة، لكنني اليوم أتساءل: كم مرة تعيدنا الخوارزميات أيضًا إلى ولادة جديدة، دون أن ننتبه؟

خلال السنوات الماضية، دفعتني إلى الاهتمام بموضوعات لم أخطط لها، وأدخلتني في نقاشات عن الصدمات، وتحليل الشخصية، والعلاقات، والعمل، والنجاح، والاستهلاك، والجسد المثالي، والرياضة، والتغذية… وكلها كانت تتحدث بثقة مطلقة، رغم تناقضها.

وفجأة وجدتني أشتري أشياء سمعت عنها في تيك توك أو يوتيوب، وأقارن حياتي بمسارات لم أكن أعرفها أصلًا، وأتساءل أحيانًا: هل هذه الرغبات رغباتي حقًا؟

أحيانًا لم أكن أعرفني.

ثم بدأت أسأل نفسي سؤالًا آخر: هل بقي شيء اسمه “خاص”؟

ليس لأن الناس صاروا يكشفون تفاصيل حياتهم فقط، بل لأننا نحن أيضًا أصبحنا نستهلك تفاصيل حياة الآخرين كما لو كانت جزءًا من حياتنا. نعرف أسماء غرباء، ومشكلاتهم، وقصص حبهم، وطلاقهم، وأمراضهم، وأفراحهم، بينما قد لا نعرف ما الذي يشغل أقرب الناس إلينا.

ذات مرة حدثت زوجي عن قصة اجتاحت الإنترنت، وظننت أنه لا بد أنه رآها مثل ملايين غيره، فإذا به لا يعرف عنها شيئًا لأنه كان قد أمضى يومه كله في العمل.

ضحكت يومها وسألت نفسي: من المنفصل عن الواقع؟ أنا أم هو؟

وأي واقع نعني أصلًا؟

ربما لهذا تركت إنستغرام منذ أكثر من عام، بعدما لاحظت أن مزاجي يتغير كلما تصفحته. ثم ابتعدت عن تيك توك أيضًا، رغم أنني حاولت أن أصنع فيه محتوى عن حياتي العادية.

لم يكن الأمر بطولة، ولا موقفًا أخلاقيًا. فقط شعرت أنني أحتاج إلى مساحة أسمع فيها صوتي أكثر من أصوات الآخرين.

أما فيسبوك فما زال نافذتي إلى العالم، ربما لأنه البداية، ونحن غالبًا نخلص للبدايات. لكن حتى هنا فقدت السيطرة. صرت أعرف كل شيء عن كل الناس… ما عدا قائمة أصدقائي.

أحيانًا ننجذب إلى أشخاص لأنهم “يشبهوننا”. لكن حتى هذا الشبه قد يكون جزءًا من مشهد صُمم بعناية. أتذكر مرة قال لي خبير إعلامي إن العفوية نفسها يمكن أن تكون صناعة.

قبل أيام دخلت صفحة امرأة تستعرض ملابسها، ثم فتحت رابط إحدى القطع، فاكتشفت أن أقل سعر فيها يتجاوز قدرتي. أغلقت الصفحة ببساطة، وشعرت أن ذلك كان انسحابًا حكيمًا. لماذا أدرّب نفسي يوميًا على اشتهاء حياة لا أستطيع عيشها الآن؟

ربما لهذا أصبحت أفكر أن المشكلة ليست في السوشال ميديا وحدها، بل في اعتقادنا أننا أكبر من أن نتأثر بها.

كنا نخاف قبل عشرين عامًا من “العولمة”. أما اليوم، فلا أدري إن كنا نعيش نتيجتها، أم أننا دخلنا مرحلة أخرى تمامًا، أصبحت فيها الخوارزميات تعرفنا أحيانًا أكثر مما نعرف أنفسنا.

لذلك أردت فقط أن أقول: الهشاشة ليست عيبًا. وربما أكبر أوهامنا أننا تجاوزناها مع العمر.

الحقيقة أننا لم نصبح أقل هشاشة من الأطفال.

لقد تعلمنا فقط أن نخفي هشاشتنا بصورة أفضل.


استجابة واحدة لـ “نحن كفئات “غير هشّة””

  1. صورة أفاتار
    غير معروف

    تعلمنا أن نخفي هشاشتنا بصورة أفضل بمرور الوقت

    إعجاب

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.