
تخيلي أن تجلسي مع صديقتك المقرّبة، وتروين إليها بعض تجاربك التي تحمل في طيّاتها نقاط ضعفك، والتحدّيات التي تواجهينها في حياتك الشخصية والمهنية، ضمن عائلة، أو بينك وأصدقاء، أو في بيئة العمل. كذلك تروين لها كيف تشعرين إزاء مواقف بعينها، قد تكون غيرة، أو حسدًا، أو التعرّض للرفض، أو عدم التقدير أو الإهمال.
هذه الصديقة ستسمع كل قصة وستروي لك “الطريقة” لتشعري بشكل أفضل حيال تجاربك، وتتجنبين سيطرتها على مسار حياتك وتحقيق أهدافك. وهذه الجلسة بينك وبينها مدتها عشر ساعات وثمانية وثلاثين دقيقة.
هذا هو بالضبط كتاب “دعهم/يهم” للمؤلفة الأميركية والمتحدثة التحفيزية والمدربة في مجال تطوير الذات، الأميركية ميل روبينز.
وهذه المدة الزمنية هي ساعات الاستماع إلى النسخة الصوتية بأداء روبينز نفسها عبر تطبيق “أوديبل”.
تقدم روبينز نفسها كمثال ونموذج أولّي للمشاعر المرتبكة، والعلاقات غير المفهومة، والصراعات النفسية، والوقوع في ورطة، وردّات الفعل القلقة، والتفكير المفرط والتحليل الزائد، بالإضافة للتعلّق بأنماط حياة أو بيئات سامّة وعدم محاولة التخلّي أو الخروج، وغير ذلك مما يعانيه الكثير منّا في هذا الزمن.
ومن نمذجة نفسها للآخر -المتلقّي- كمشكلة، تنتقل إلى الحلول باعتبارها أيضًا نموذجًا ناجحًا على التطبيق، بعد أن تشرح منهجية “دعهم/يهم ودعني” التي “غيّرت حياتها” إن جاز التعبير.
تستعين بعلم الأعصاب ومقابلات مع أطباء نفسيين وأبحاث ودراسات في علم النفس استندت إليها من أجل إثبات العديد من طروحاتها فيد تطوير الذات، وكمدخل أيضًا لتفسير تجاربها وتجاربنا وكذلك رؤية الآخر، الذي قد نشتبك معه في علاقة صداقة، أو حب، أو زواج، أو (ابن/ ابنة) أو زمالة في العمل، وأحيانًا يكون غريبًا تمامًا.
تقول روبينز “دعهم يكونون هم ودعني أكون أنا” كأنها تُلبس “الرواقية” ثوبًا حديثًا، من خلال استعادة رؤيتها في تحقيق السلام الداخلي عبر ضبط النفس وفهم طبيعة العالم. فهناك أشياء تحت سيطرتنا وأخرى ليست كذلك، بالتالي فإن الحكمة تقتضي التركيز على ما يمكننا التحكم به (أفعالنا/ مشاعرنا/ قراراتنا/ ردود فعلنا.. إلخ) وتقبّل ما لا نسطيع تغييره (حياة الآخرين/ تصرفاتهم/ ردرد أفعالهم/ آراؤهم/ مشاعرهم.. إلخ).
وترى أن استنزافنا النفسي لا ينبع من الأحداث نفسها، بل من محاولاتنا اليائسة للسيطرة على سلوك الآخرين أو تعديل انطباعاتهم عنا.
وتعتمد على محورين؛ الأول “دعهم”، أي تقبّل أن الناس سيتصرفون وفق قيمهم وتجاربهم لا وفق توقعاتنا. والثاني هو “دعني”، وهو الأهم، حيث يتم إعادة توجيه الطاقة نحو الذات: كيف أحمي وقتي؟ كيف أضع حدودي؟ وكيف أستثمر طاقتي؟
هذا التحول لا يعني اللامبالاة، بل الاستقلال النفسي. فبدلاً من إهدار الجهد في “إصلاح” الآخرين، نركز على قراراتنا الواعية. وبذلك، يقل التوتر الناتج عن عدم اليقين بسلوك الغير، ويحل محله شعور بالسيطرة الواقعية على حياتنا.

الكتاب يقع في “٢٠ فصلًا”، قد تساعدك عناوينها في أخذ نبذة عن بنيته وما تريد روبينز إيصاله لك، من خلال التشريح النظري والتفكيكي للتجربة، قبل الانتقال إلى الحلول العملية.
“توقف عن إهدار حياتك على أشياء لا يمكنك التحكم بها، البداية – دعهم ودعني، مفاجأة – الحياة مُجهِدة، دعهم يُسببون لك التوتر، دعهم يظنون بك أفكارًا سيئة، كيف تحبّ الأشخاص صعبي المراس؟ عندما يُصاب الكبار بنوبات غضب، القرار الصحيح غالبًا ما يبدو خاطئًا، نعم، الحياة ليست عادلة، كيف تجعل المقارنة مُعلّمك، الحقيقة التي لم يخبرك بها أحد عن صداقات مرحلة البلوغ، لماذا تتلاشى بعض الصداقات بشكل طبيعي، كيف تصنع أفضل صداقات في حياتك، الناس لا يتغيرون إلا عندما يرغبون هم بذلك، أطلِق العنان لقوة تأثيرك، كلما حاولت إنقاذهم أكثر، غرقوا أكثر، كيف تُقدّم الدعم بالطريقة الصحيحة، دعهم يُظهرون لك حقيقتهم، كيف ترتقي بعلاقتك إلى المستوى التالي، كيف يمكن أن تكون النهايات بدايات جميلة”.
بالنسبة لي، كنت بصحبة رائعة مع روبينز، لدرجة أنني أعدت الاستماع للكتاب مرة ثانية. أنا ككاتبة وصاحبة مشروع استفدتُ منها، وهي كمحفزة منحتني بعض الشجاعة، وأنا كزوجة وأم وجارة وصديقة وأخت، ومشترِكة ومسهمة في مواقع التواصل الاجتماعي، قدمت لي رؤيا أوسع من تجربتي.
بالنسبة للنقّاد، نجحت روبينز في استخدام نظرية “مركز التحكم” في التحليل النفسي، بالدفع نحو التحكم في ردود أفعالنا بدل التحكم بالآخرين، ما قد يكسب الفرد قدرة أفضل على التكيّف، وخفض مستوى القلق، ورفع مرونته النفسية.
كما استفادت روبينز من مبادئ العلاج السلوكي المعرفي، وما يتفق مع نموذج الطبيب النفسي الأميركي آرون بيك، الذي يرى أن الاضطراب النفسي ناتج عن أنماط تفكير مشوهة أكثر من كونه ناتجاً عن الأحداث نفسها.
لكن العلاج المعرفي السلوكي يقدم أدوات منظمة وممارسات عملية، بينما يختزل الكتاب ذلك في صيغة تحفيزية بسيطة، ما قد يوصف بأنه “سطحي”. فمحتوى كتاب روبينز وما يشبهه من كتب التنمية البشرية والتطوير الذاتي، يحمل تبسيطًا “مفرطًا” لديناميكيات القوة الاجتماعية، فالدراسات تشير إلى أن البنى الاجتماعية تؤثر في حرية الفرد النفسية، وأن الضغوط الاقتصادية تحد من الشعور بالسيطرة، كما أن الصدمات النفسية تغيّر إدراك الفرد لقدرته على التحكم.
كما قد يتم تستخدم نظرية “دعهم/دعني” لتبرير الانسحاب النفسي بدل الحكمة الأخلاقية.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.