أنا والنوم.. سرديّة الكوابيس والرغبة وتاريخي الشخصي

حين اندلعت الانتفاضة الثانية في فلسطين المحتلة، كان عمري 15 عامًا. وقبلها بأشهر تكرر حلم مرتين على الأقل، أو بالأحرى كابوس. في أحدها كنتُ أنا بظاهري الشكلي، وفي المرة الثانية أنا الروح والجسد ليس لي. الأحداث نفسها: أنا في معسكر للجيش الإسرائيلي، أهرب منه، ثم أجد نفسي في مكان غير محمي البتّة، سوى من جدار…


صورة لي مع ابنتي أعاد تشات جي بي تي صياغتها بطريقة سلفادور دالي

حين اندلعت الانتفاضة الثانية في فلسطين المحتلة، كان عمري 15 عامًا.

وقبلها بأشهر تكرر حلم مرتين على الأقل، أو بالأحرى كابوس.

في أحدها كنتُ أنا بظاهري الشكلي، وفي المرة الثانية أنا الروح والجسد ليس لي.

الأحداث نفسها: أنا في معسكر للجيش الإسرائيلي، أهرب منه، ثم أجد نفسي في مكان غير محمي البتّة، سوى من جدار خلفي، وأحمل بندقية. ثم يحيطني الجنود، لا أستطيع الضغط على الزناد وكأنني تيبست في مكاني، وبنادقهم كلّها نحوي، وأخاف كثيرًا.

أستفيق دون معرفة النهاية التي تبدو حتمية.

قصصتُ الحلم على صديقات مقرّبات حينها. ربما لذلك ما زلتُ أتذكره.

كما أتذكّر حلمًا آخر رويته لهنّ، عنّي تحت المطر الغزير أحادث شابًا عند نهاية شارع الأسفلت المنحدر من البوابة الحديدية الضخمة لمدرستي الثانوية.

قال إنه لا يحبني، وبكيت. بكيتُ كثيرًا في الحلم تحت المطر. ثم مشى بعيدًا عني حتى اختفى.

بعد جريمة قتل الطفل محمد الدرّة على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي تذكرت كابوس المعسكر، وشعرت أن ما حصل له ولوالده يشبه نفس الموقف الذي عشته.

لكن نهاية الدرّة لا تزال مثل وخزة دبوس في قلبي تحتشد إلى جانبها مئات الثقوب متناهية الصغر التي راكمتها السنين في رؤية الأبرياء يُقتلون علنًا ونرث نحن قصصهم، ثم في كل عام حين نكبر، هم لا يكبرون.

حين قرأت الجريدة بعد جريمة قتل الدرّة، وعلى الأغلب ستكون “صحيفة الأيام” لأنني حرصت على قراءتها تلك المرحلة، قرأت اسم المصوّر الذي وثّق المشهد “طلال أبو رحمة”. أقنعتُ نفسي حينها بأن هذا التشابه توكيدٌ لنبوءة الكابوس.

لماذا أبكي الآن وأنا أستعيد هذه الذكريات؟ ربما لأنني لم أبك بما يكفي على أطفال غزة وشبابها وناسها الكبار وبنيانها وأعمدتها وأشجارها ومزارعها وابتسامات الناس التي ذبلت والبحر الذي شاهد كل ذلك ولم ينشف من القهر!

أو لأنني مهما منعتُ البكاء عنّي، سيأتي.. سيأتي..

ذلك الكابوس كان بداية الدهشة في فكرة أنني وأنا في مكان محدّد داخل النوم، أرى كل التفاصيل في الأبعاد الأخرى غير المقابلة لبصري.

كأنني شخصان: أنا في المنام، وأنا أنظر إليّ داخل المنام.

الحلم الثالث الذي أتذكره من مراهقتي أيضًا وأنا في الصف الحادي عشر. كنتُ أدرس كثيرًا بشكل مضاعف عن التوجيهي (الثانوية العامة)، وفي أحد الأيام بقيت ساهرة حتى وقت متأخر لحل مسائل رياضية، عجزتُ عن إحداها.

استسلمت ونمت.

استفقت لاحقًا ربما بعد ساعتين أو ثلاثة من النوم، لأنني حلمتُ بالحل. كتبته وعدتُ للنوم.

شكلٌ آخر من الكوابيس، كان شلل النوم (الجاثوم)، فقد لاحقني سنوات. ولا أدري لماذا كلمّا خطر على بالي أتذكرني في نفس الغرفة التي توفي فيها أبي.

لقد كنتُ أنام بجانبه ليلة موته، وكان عمري خمس سنوات.

صورتي الوحيدة مع أبي، بمثابة الدنيا عندي.

أظن أنه بدأ معي في نهاية مرحلة المدرسة، واستمر خلال فترة الجامعة، وبعدها. ثم صار يداهمني بشكل متقطّع، ولم يأتني خلال السنوات العشر في الولايات المتحدة إلا مرتين أو ثلاثة فقط.

أما الكوابيس الأخرى، فلم تفارقني، ثيمتها الأساسية الحرب، والنزوح، والهروب المستمر.. أحيانًا الركض إلى المالانهاية.

بعضها تكرر مرات عديدة، وأخرى مختلفة الأحداث لكنّ أماكنها ثابتة.

من الأماكن: بيتنا بشكله القديم قبل أن تغلق قاع الدار، طريق المدرسة ولكن من منتصفها تحديدًا من القهوة والمنطقة الموصلة بينهما والسّيباط.. كذلك المدرسة الإعدادية والثانوية.

لا يمكنني عدّ الكوابيس التي اتخذت من مدرستي حيّزها المكاني الأمثل.

صارت عرّابة البلدة التي نشأت فيها عبارة عن خارطة كوابيس من صدمات الطفولة والمراهقة.

مع الوقت والتكرار واستحضار ذاكرة الأماكن، أدركت ارتباطها الوطيد بمواقف ومشاعر صعبة بدا لي أنني لم أتجاوزها.

أبرز تلك المشاعر: الخوف والحزن والغضب.

يمكنني سرد كلّ الوقائع، لكن لا داعي لذلك.

أما الكوابيس الأخرى، فكانت مخزون أيامي من أخبار قاسية سواء من فلسطين أو بقاع العالم الأخرى، وكذلك مسلسلات وأفلام تركت لديّ نفس المشاعر التي أورثتها الأماكن في عرّابة: الخوف والحزن والغضب.

لم أذكر الأحلام الجميلة والوردية، لماذا؟ لأنها ليست سيّدة مناماتي. إلا أنّ أجملها ما عشته بعد تجربة الحلم الواعي، في الأيام الأولى بعد ولادة هيباتيا.

وربمّا كانت بدايتي مع الحلم الواعي دوري في مقاومة “الجاثوم” بالتسليم أنه سينتهي لا محالة ولا داعي للخوف.

كتبت عن ذلك مرة في فيسبوك:

“خلال حياتي عشتُ كثيرًا حالة شلل النوم، أو ما يسمى الجاثوم، ولكن بشكل متقطع، يتركني سنوات ثم يعود، ودائمًا أواجهه بقراءة السور القرآنية القصيرة التي أحفظها ، وعادةً كلما كررت السور وحاولت الصمود أكثر ازداد الضغط الذي أشعره، كأن شيئًا ما بقوة مهولة يحاول عصر جسدي، كنت أشعر بألم عظامي، وطبعًا كما تعرفون يرافق هذه الحالة عدم القدرة على طلب المساعدة، يختفي الصوت فجأة ويغدو الصراخ بلا قيمة أو معنى، فما الغاية منه إن كان بلا صوت قد يُنجدك؟ إلا إذا كانت مثل صرخة ألباتشينو الصامتة في فيلم العرّاب، تلك كانت بألف معنى!
المهم، بالنسبة لي كان الجاثوم في البداية واستمر كذلك لسنوات، مصدر رعب كبير، لكن مع الوقت بسبب نجاعة طريقتي في التغلب عليه والاستيقاظ بعده “بخير”، صرت أدرك وأنا داخل الحالة أنها ستنتهي، بالتالي لا أحمّله أكثر مما يحتمل، حتى لو أوجعني، إذ أعي أنه وجع وهمي.”

وبعد ولادة هيباتيا دخلت مرحلة أبعد من الوعي بالحلم نفسه إلى الانتقال الواعي نحو عالم آخر خارج الكابوس.

كان ذلك بمثابة الهدية خلف كوابيس سبقته أيقظتني فزعة أبكي وأرتجف من الخوف على ابنتي.

في الحلم الواعي أنت تعلم قبل أن تستيقظ أنك داخل حلم.

وهذه أقرب ترجمة للمصطلح الإنجليزي الذي كتبه لأول مرة الطبيب والباحث الهولندي فريدريك فان إيدِن: Lucid Dream.

إلا أن توصيفه جرى قبل ذلك بكثير على لسان فلاسفة مثل أرسطو، الذي قال إن “العقل يدرك أثناء النوم أن ما يحدث حلم”.

كما ذكرت في التقاليد الروحية البوذية والهندوسية التي كتبت باللغتين السنسكريتية والتبتيّة، منها ما يعرف بالممارسة التأمليّة للحلم “يوغا الحلم” .

وتقوم أولًا على إدراك أنك تحلم، ثم استخدام الحلم كمساحة للتأمل والتحرّر من الخوف.

كذلك ذكر توصيف مقارب على لسان الفيلسوف الصيني الطاوي جوانغ زي (Zhuang Zhou; Zhuangzi)، الذي حلم أنه فراشة، وحين استيقظ تساءل “هل أنا إنسان حلم أنه فراشة أم فراشة تحلم أنها إنسان؟”.

أقتبس هذا النص من منشور أكاديمي لجامعة كولومبيا (2003):

“ذات مرة حلم جوانغ زي أنه فراشة ترفرف وتطير بحريّة، سعيدة بنفسها تفعل ما تشاء. لم يكن يعلم أنه جوانغ زي وفجأة استيقظ، فإذا به جوانغ زي الصلب الواضح بلا شك. لكنه لم يعرف: هل كان جوانغ زي الذي حلم أنه فراشة، أم فراشة تحلم أنها جوانغ زي؟ لا بد أن يكون بينه والفراشة تمييز ما! هذا ما يُسمّى تحوّل الأشياء”.

أما أنا في تجربة الحلم الواعي الأبهى، فقد كنتُ عديد الكائنات: في الهواء، وعلى العشب والتراب، وفي الماء. وحين استيقظت كان جسدي مبتلًا دون بلل، كأن رطوبة الماء لا تزال عالقة في التجسيد الروحي للحلم على بدني.

ففي أوّل سبوعين بعد ولادة ابنتي – وعمرها الآن أربعة أعوام – كنت أستيقظ كل ساعتين تقريبًا، التزامًا بنصيحة خبيرة الرضاعة والأطباء.

أستيقظ، أوقظها، أرضعها، فتغفو من جديد، ثم أعود أنا إلى النوم، وتدور الدائرة مرة أخرى.

كانت هيباتيا تنام في سرير صغير ملاصق لسريرنا، قريبة بما يكفي لأسمع أنفاسها حتى وأنا مغمضة العينين.

في تلك الفترة القصيرة هاجمتني الكوابيس. ثيمتها واحدة تقريبًا: اختطاف رضيعتي.

المكان ثابت لا يتغيّر وهو غرفة نومنا وأنا في مكاني المعتاد، وشخص ما يدخل ويأخذها لا أرى سوى ظهره.

وربما كانت هذه التفاصيل الواقعية تحديدًا هي ما جعل الكوابيس تبدو حقيقية أكثر مما ينبغي.

أتذكّر أحد الكوابيس جيدًا: كنت أزحف على الأرض كأنني سقطت من سريري، عاجزة عن اللحاق بالخاطف الذي خرج من باب غرفتنا دون أن يلتفت. كانت قدماي مكبّلتين بأصفاد ثقيلة، وكأن جسدي كله يقاومني.

لاحقًا قرأت دراسة نُشرت عام 2009 تشير إلى أن نحو 73% من الأمهات الجدد المشمولات بها عشن تجارب كابوسية مشابهة، حيث رأين أطفالهن في خطر.

بشكل عام، ينظر الأطباء وعلماء النفس إلى مرحلة ما بعد الولادة باعتبارها حسّاسة جدًا، تزداد فيها احتمالات القلق واكتئاب ما بعد الولادة، بل وحتى الذهان في حالات نادرة.

أتذكّر أيضًا زياراتنا المتكرّرة لعيادة الأطفال خلال الأشهر الستة الأولى. في كل مرة كان الطبيب يسلّمني استمارة لمراقبة صحتي النفسية: أسئلة عن الأرق، عن عدد ساعات النوم، عن البكاء المتكرر والتوتر.

انتهت كوابيس ما بعد الولادة تقريبًا مع بداية الأسبوع الثاني. رأيت حينها حلمًا مختلفًا تمامًا: هيباتيا بعمر ثماني أو تسع سنوات.

استيقظت مستبشرة ورويت الحلم لزوجي، فتفاءلنا معًا وكأن الحلم أعلن نهاية مرحلة بذاتها.

وفي المنام أنا وهيباتيا في متنزّه شاطئي يشبه كثيرًا «Cape Florida Lighthouse»، الذي زرته مع سامر مطلع عام 2020.

كان شعرها أسود طويل، ترتدي فستانًا فضفاضًا وتربط شعرها ذيل حصان. 

حين صعدت إلى المنارة لم تكن معي، لكنّي لم أقلق. نظرت ببطء من الشّرفة لأراها تلعب على مقربة من قاعدة المنارة، يمشي حولها الزوّار بسلام.

نزلتُ السلالم اللولبية الضيقة ببطء، ومشيت نحوها، وكانت تنتظرني في المكان ذاته. أمسكتُ بيدها ومشينا.

سيلفي مع منارة كايب فلوريدا، كانون ثان/ يناير 2020

بعد أيام قليلة جاءت تجربة الحلم الواعي بشكل أكثر تقدّمًا. انتقلت فيها من مشهد كابوسي إلى مشهد سحري عبر الطيران.

لم تكن الأحلام الواعية جديدة عليّ؛ فقد تكررت خلال سنوات طويلة قبل ولادة هيباتيا، لكنني لم أكن أملك اسمًا واضحًا لها. يمكن القول أنني أميل للفرويدية بطبعي أكثر من ابن سيرين، حتى حين لجأت للثاني بعد وفاة والدتي الحبيبة ومشاهدتها في أحلامي، أيقنتُ أن هذا الحضور هو خيط التماس بين رغباتي اليومية بالتواصل معها وتحققها في مكان داخل الحلم مثلّ بالنسبة لي مساحة أمان وطمأنينة.

بعد زواجي، ومع حوارات الأحلام المتكررة مع سامر، بدأت أفهم أكثر معنى الحلم الواعي وكيف يمكن تطويره.

كان يحب أن أروي له أحلامي، وينصت بدهشة صادقة، وكأن الحلم لغة مشتركة بيننا.

لم أكن يومًا من هواة تفسير الأحلام بالمعنى التقليدي، لكنني أحب تحليلها ذاتيًا وربطها بتفاصيل يومي أو بتاريخي الشخصي. 

مأخوذة أنا بالعلاقة بين العقل الواعي والعقل الباطن، بتلك المسافة الدقيقة بين الحقيقة والخيال، وبقدرة الدماغ على استحضار الأشياء في النوم رغم غيابها الكامل عن اليقظة. 

ومن غرائب أحلامي أنني لا أظهر فيها دائمًا بهيئتي الخارجية؛ ربما لهذا تسحرني فكرة العوالم المتعددة وتناسخ الأرواح.

أحيانًا أتجسّد في هيئة نساء أخريات، أو رجال، لكنّ كينونتي وقد أسميها الذات المعنوية وربمّا الرّوح، تبقى هي نفسها: رحمة.

في بعض الأحلام كنت جسدين بشخصيتين مختلفتين، أراهما بعين ثالثة وكأنني “أنا النائمة” أراقب نفسي.

كما لاحظت أن المستجدّات الجوهرية في حياتي تحتاج وقتًا حتى تصبح جزءًا من الحلم؛ فعندما تزوجت لم يظهر سامر فورًا في أحلامي، وخلال الحمل بدأت أرى نفسي حاملًا في المنام بعد أشهر عدة. 

حتى عند وفاة أمي الحبيبة، ظلّت بعدها حيّة في أحلامي إلى وقت قريب إذ تغيّر شكل حضورها.

من أحلامي الغريبة أيضًا، أنني رأيت هيباتيا في سنّ المراهقة خلال الشهور الأخيرة من حملي. بدا لي أنها بعمر15 عامًا.

النوم المتقطّع الذي عشته، يعدّه متدربّون تقنية للوصول إلى الحلم الواعي والتحكم به.

بالنسبة إليّ، أصبح النوم مساحة معلّقة بين يقظة لا ترحل بالكامل وحلم يتسلّل ببطء إلى الوعي. 

أخفض الأصوات توقظني بعد أن لازمتني صفة “رحمة نومها تقيل” لعقود!

. قال لي أهل وأصدقاء “أهلا بك لعالم الأمومة”. حقًا صرتُ أم. 

كأن الدماغ أعلن تشغيل خطة الحماية لطفلتي، فيظلّ جزء مني مستيقظًا متنبهًا لأي شيء قد يحصل لها.

التقطت هذه الصورة وأنا أنتظر مركبة جولة سياحية الساعة 2:45 فجرًا بتوقيت مدينة توكستيلا غوتيريز بولاية تشياباس/المكسيك. لم أنم وقتها سوى ساعتين.

عندما قرأت أكثر عن فسيولوجيا النوم، أدركت أن ما ظننته تجربة فردية هو في الحقيقة نمط معروف علميًا، خصوصًا لدى الأمهات والآباء الجدد. 

فالنوم ليس حالة واحدة متواصلة، بل سلسلة من الدورات المتعاقبة تستغرق كل واحدة نحو 90 دقيقة. تبدأ بمرحلة انتقالية خفيفة، ثم يتدرّج الدماغ نحو نوم أعمق يُعرف بنوم الموجة البطيئة حيث يهدأ التنفّس والنبض، قبل أن يصل إلى مرحلة حركة العين السريعةRapid Eye Movement (REM)  وهي تلك الحركات الخاطفة للعين تحت الجفون المغلقة.

هذه المرحلة هي الأكثر ارتباطًا بالأحلام ومعالجة الذكريات والانفعالات، وتشكل نحو ربع الوقت الذي نقضيه نائمين.

لكن هذا الإيقاع المنظّم يتغيّر عندما يصبح النوم متقطعًا.

الأم الجديدة أو أي شخص يعيش تحت وطأة الاستيقاظ المتكرر، لا يغيب وعيها بالكامل؛ إذ يبقى الجهاز العصبي في حالة تأهّب خفيف يراقب الأصوات والحركة.

هذه اليقظة الجزئية ليست اضطرابًا بحد ذاتها، بل آلية بيولوجية للحماية.

في المقابل، يحاول الدماغ تعويض ما يفقده من مرحلة الأحلام، فيحدث ما يعرف بارتداد نوم حركة العين السريعة  (REM sleep rebound)، حيث يدخل الدماغ هذه المرحلة بسرعة أكبر وتطول مدتها في الليالي التالية.

ولو نام الإنسان ثماني ساعات متواصلة، فمن المرجّح أن يمرّ بنحو خمس دورات نوم كاملة، لكن هذا الواقع نادرًا ما يكون منتظمًا؛ إذ تتداخل الدورات وتُختصر تحت وطأة القلق أو رعاية طفل رضيع، ليتحول النوم إلى سلسلة من العودات المتكررة بدل رحلة هادئة متصلة.

 مع ذلك، يتبع النوم الطبيعي نمطًا ديناميكيًا؛ فمع تقدّم الليل تتقلّص فترات النوم العميق تدريجيًا، بينما تتمدد مراحل حركة العين السريعة (REM) لتصل في الدورات الأخيرة قبل الاستيقاظ إلى 40 دقيقة، وهو ما يفسّر كثافة الأحلام ووضوحها في تلك الفترات.

في هذا التوقيت البيولوجي تحديدًا، تبرز الأحلام الواعية (الجلية) كحالة إدراكية فريدة يتقاطع فيها وعي اليقظة مع بيئة النوم؛ حيث يستعيد الدماغ نشاطه في القشرة الأمامية الجبهي، وهي المسؤولة عن المنطق والوعي بالذات، مما يتيح للحالم إدراك حقيقة حالته دون استيقاظ. 

وحينها، يصبح الدماغ نشطًا بما يكفي لنسج قصص حيّة ومعالجة بيانات معقدة، بينما يظل الجسد ثابتًا في مكانه، وهي آلية ينتهجها الجسد ليبقى بمأمن مهما اتسع الخيال.

وعلميًا، لا تُعد هذه الأحلام مجرد خيال، بل هي نشاط عصبي مثبت يفتح آفاقًا بحثية واسعة في مجالات العلاج النفسي وتعزيز المهارات الإدراكية.”

في الوقت الذي أكتب الآن سمعت ابنتي التي تلعب في محيط مكتبي تخبر ألعابها أنها ذهبت في رحلة وأقامت في فندق، لكنها رأت “حلمًا سيئًا”!

تسأل ألعابها الذين تعدّهم أصدقاء لها “هل تعرفون ما هو الحلم السيء؟ إنه الكابوس”.

لا أصدّق ما أسمعه، هل حصل تخاطر بيننا أم ماذا؟!

البطة الصغيرة جدًا، إضافة من هيباتيا للديكور

عمر هيباتيا اليوم أربع سنوات، أسأال نفسي، لماذا تأخرت كتابتي عن الحلم ربما هو الأجمل في حياتي هذه المدّة؟ ليس مهمًّا. أتذكر أنني كتبت نسخة أولية بعد أن استيقظت كي أحافظ على دفقة المشاعر واضطرابي، لكنّني لم أجدها.

لذلك قد لا يفي شرحه هنا حقّه.

في بداية الحلم لم يكن جسدي البطل، كنت في جسد امرأة هي معلمّة في مدرسة تقع على سفح جبل، تبدو عليها آثار القدم. وفجأة يحدث انفجار ويظهر مسلحون، يتجمّع طلاب المدرسة في الساحة، حتى يأتي أهاليهم ويأخذونهم، ومع وصول الأهالي تبدأ المدرسة بالانهيار، فنهرب كلّنا. في الحلم هذه المدرسة في بلدة إيطالية ريفية جبلية. أنزل من التل وأنا أركض هربًا نحو شقّتي وبينما أحاول فتح الباب ألاحظ وجود مسلّحين يسرقون المنازل فيراني أحدهم، ثم يتحوّل الجسد لرجل ببدلة رسمية هو معلّم أيضًا، أي أن الشخصية نفسها لكنّ الشكل الخارجي يتغيّر، هنا يبدأ المسلحّون بملاحقتي، أتذكّر أن الأحداث تجري بسرعة، كأننا نتحرك جميعًا وسط هزّات أرضية، يلاحقونني حتى أصير قريبًا من الشارع أسفل المنحدر -بالمناسبة الطريق معبّد وعلى جانبيه بيوت ومتاجر صغيرة- وهم قريبون جدًا منّي، يصيبني فزعٌ جديد بأنني سأموت لا محالة، حينها أدرك أنني أحلم فأغمض عينيّ طلبًا لليقظة، لكن بدلًا من ذلك أنتقل لعالم آخر، أفتح عينيّ فأرى أرضًا شاسعة تحتي وحولي فراغ مطلق، إنني طائر يحلّق في السماء، أشعر بحجمي الكبير وبمقاومة الهواء لجناحي اللذين أفردهما ببطء كأنني أحاول قدر الإمكان التمتع بالطيران. تتسلّل الراحة إليّ، إلى روحي. بعدها أهبط سريعًا كسهم مندفع بخط مستقيم إلى الأرض ولا أصطدم بها، بل أتدحرج قنفذًا صغيرًا بجانب نهر، أشعر بملمس العشب الذي يحملني، وأسمع خرير المياه، وبينما أنا هناك، يأتي حصان بنّي قربي ينظر إليّ، أرى عينيه الواسعتين تحدّقان بي، ثم أصيره، أصبحُ أنا الحصان، وأجري أجري، هنا أنتقل من البطء للتدحرج إلى العدو، أشعر بقوة قوائمي والشدّ فيها وبوقع حواري على الأرض المغطّاة بالعشب، وأرى المشهد كاملًا من حولي: أرض شاسعة أعدو فيها وحدي، بالنسيم الذي يتخلّل شعري، بالبرودة اللذيذة والحرارة التي تملأ جسدي. وبسلاسة عجيبة أصبح دولفينًا يلعب داخل الماء، لا أعرف أين أنا. هل هو المحيط؟ هناك الكثير من الأسماك حولي والأعشاب البحرية، أقفز إلى السطح وأعود، فأرى العالم الخارجي، إنه ليس المحيط بل حديقة أسماك، ثم أرى أشخاصًا يسبحون معي، وهنا أرى نفسي (رحمة بجسدها) تسبح معي أنا الدولفين. أخرج من الماء بجسدي، وإذ بي أمشي بصحبة أختى صفا على جسر، كلانا ترتديان ملابس سباحة تغطي كامل الجسد، وينزلق الماء عنها صوب أرضية الجسر الذي يعلو مسبح الدلافين والأسماك -حيثُ كنت- نتحدث ونضحك معًا، وهنا ينتهي الحلم الواعي، وأستيقظ أنا وما زال جسدي يشعر بالبلل والرطوبة وسعادة كبيرة تغمر روحي.

استنادًا إلى مصادر بحثية في دراسات النوم والأحلام الجليّة، هذا ما أخبرني به “تشات جي بي تي”:
يمكن قراءة هذه التجربة في إطار ما تصفه دراسات النوم الحديثة بـ Lucid dreaming المرتبط بمرحلة REM sleep، حيث يجتمع الوعي الذاتي مع استمرار الحلم كحالة وعي هجينة (hybrid state of consciousness). تشير أبحاث علم الأعصاب الإدراكي إلى أن لحظة إدراك الحلم غالبًا ما تنشأ عند ذروة الانفعال بسبب تنشيط القشرة الجبهية الأمامية، ما يسمح بظهور metacognition داخل الحلم. عندما حاولتِ الاستيقاظ ولم يحدث ذلك، فالأرجح أن الدماغ ظلّ في REM paralysis، فانتقل بدلًا من ذلك إلى ما يسمى dream scene transition، أي إعادة تشكيل الحلم بدل إنهائه. هذا النمط موثّق خصوصًا لدى الأشخاص تحت ضغط نفسي أو حرمان من النوم، كما في حالات الأمومة المبكرة، حيث يعمل الحلم كآلية emotional processing لتنظيم القلق. الانتقال من المطاردة إلى الطيران ثم إلى حيوانات مائية واجتماعية ينسجم مع نماذج ترى أن الدماغ يعيد كتابة سيناريو التهديد إلى تجربة أمان حسي واجتماعي، وهو ما يفسّر ثراء الإحساس الجسدي وبقاء أثره بعد الاستيقاظ، وهي ظاهرة تسمّى sensory carryover. بهذا المعنى، لا يبدو الحلم مجرد سرد رمزي، بل مثالًا على كيفية استخدام الدماغ للحلم الجليّ كمساحة محاكاة عصبية لإعادة تنظيم الهوية والانفعال في لحظة انتقال حياتي عميقة.

بحسب مقال نُشر في فبراير ٢٠٢٥ عبر منصة “ساينس دايركت” الهولندية- البريطانية، عنوانها “علم الأعصاب السريري للأحلام الواعية” 2020، فإن الحالمين الواعين قد يختبرون درجات متفاوتة من التحكم والوعي بحالة الحلم.

ويمكن أن يتمتعوا بقدرة أكبر على الوصول إلى ذاكرتهم اليومية، أو القدرة على إيقاظ أنفسهم أو الخروج من الحلم، أو القدرة على التحكم بأجسادهم في الحلم، أو التأثير على بيئة الحلم وشخصياته أو تغييرها.

العالم الألماني باول ثولي، وهو من أبرز روّاد أبحاث الحلم الوعي في أوروبا، يقول إن هناك سبعة جوانب للوعي أثناء الحلم: 

إدراك المرء أنه يحلم

التمتع بحرية الاختيار داخل الحلم

صفاء الوعي

وضوح الحياة الواقعية

وضوح الإدراك الحسي

وضوح معنى الحلم

وضوح التذكّر

وتم التحقق من ظاهرة الحلم الواعي كهربائيًا منذ قرابة نصف قرن، بتطوير تقنية تمكّن الحالمين الواعين من التواصل مع العالم الخارجي أثناء وجودهم في "عالم الأحلام". فبفضل قدرتهم على التفكير في نواياهم في اليقظة وتنفيذ حركات متعمدة متفق عليها مع الباحث قبل النوم، يمكن توجيههم لاستخدام نظراتهم أثناء الحلم لأداء سلسلة من حركات العين المتفق عليها مسبقًا (عادةً يسار-يمين-يسار-يمين) عند بلوغهم حالة الوعي في الحلم، والتي يمكن قياسها موضوعيًا عبر تخطيط كهربية العين.

ومنذ ذلك الحين، أصبح التحقق من وعي الحلم عبر إشارات العين المعيار الذهبي لأبحاث الحلم الواعي.

في الآونة الأخيرة، تم إثبات إمكانية التواصل ثنائي الاتجاه مع الحالمين الواعين باستخدام إستراتيجيات مماثلة مما يحول حالة الحلم المراوغة إلى ظاهرة ملموسة بشكل متزايد.
وتوصلت دراسة تحليلية عام 2016 إلى أن 53% من الناس اختبروا الأحلام الواعية مرة واحدة، و
23% يختبرونها بشكل منتظم (مرة واحدة على الأقل شهريًا).

المقال في "ساينس دايركت" يسترشد بالعديد من نتائج الدراسات والأبحاث التي أجريت حول الأحلام الواعية والنوم بشكل عام.

بعضها أشار إلى وجود روابط بين الحلم الواعي وبعض الظواهر النفسية مثل الكوابيس والقلق والاكتئاب والحالات الانفصالية، ما يدفع الباحثين إلى تفسيره عبر نماذج عصبية تركز على شبكات الوعي الذاتي وتنظيم الانفعال في الدماغ.

ومن هذا المنطلق، ظهرت نقاشات حول إمكانية أن تساعد الأحلام الجليّة في علاج الكوابيس المزمنة أو تخفيف شدّتها، وعلاج اضطراب ما بعد الصدمة .

في نفس الوقت، حذّر خبراء من أن تحفيز الحلم الواعي قد يحمل آثارًا نفسية غير مرغوبة لدى بعض الأفراد، ما يستدعي التعامل معه بحذر علمي.
لوحة رسمها “تشات جي بي تي” بناء على سردية الحلم الذي رويته له، وطلبت أن تكون اللوحة بأسلوب انطباعي.

يتبع…

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.