15 شهرًا من حياتي

كانت خمس سنوات إلا قليلا هي مدة العمل من البيت.كانت الكورونا وتداعياتها من خوف وقلق وعُزلة.كان الحمل والإجهاض والحمل مجددًا وإجازة الولادة والرضاعة الطبيعية ومحاولات بائسة للفطام ولتدريب طفلتي على الذهاب إلى الحمام.والكثير الكثير من الأعمال المنزلية.. غسيل ملابس وتنظيف أوان بلا نهاية!ثم كانت العودة للمكتب في خريف 2024.عرفتُ عبر محادثاتي من دائرة الزملاء الذين…



كانت خمس سنوات إلا قليلا هي مدة العمل من البيت.
كانت الكورونا وتداعياتها من خوف وقلق وعُزلة.
كان الحمل والإجهاض والحمل مجددًا وإجازة الولادة والرضاعة الطبيعية ومحاولات بائسة للفطام ولتدريب طفلتي على الذهاب إلى الحمام.
والكثير الكثير من الأعمال المنزلية.. غسيل ملابس وتنظيف أوان بلا نهاية!
ثم كانت العودة للمكتب في خريف 2024.
عرفتُ عبر محادثاتي من دائرة الزملاء الذين التقيتهم/ن أنني قد أكون الأسعد بهذه العودة.
كان المكتب هو ال”Me Time”٫ خصوصاً أن عودتي ارتبطت بلقب جديد: كاتبة محتوى. فقد سُحب منّي دور الكاتبة رويدًا رويدًا بعد تغطيتي الحثيثة لانتفاضة تشرين والالتهاء بالشأن العراقي.
وُعدتُ بالكتابة٫ لكن ماذا نعرف عن وعود المدراء؟ صارت بعيدة وصعبة المنال حتى نفسيًا٫ و”كأنما أعجبني الفراق”.
ذاك الخريف ردّ لي روحي٫ كأنني في مسار “هافاسو باي” (أريزونا)٫ الذي اعتبرته لسنوات أكثر شيء سحري حصل لي٫ قبل أن أعانق جسد ابنتي أوّل مرة.
كنتُ أستيقظ كل يوم تمام الرابعة ونصف فجرًا٫ أستحم٫ أضع مرطب الجسم٫ أعطّره٫ ثم أترك للمزاج انتقاء الملابس وتسريحة الشعر ولون أحمر الشفاه.
ثمّ أعدّ القهوة.
كان دوامي يبدأ السادسة صباحًا.
الثابت دائمًا هو الكعب العالي. جربت الحذاء الرياضي والملابس المريحة مرتين فلاحظت أنني فقدتُ تركيزي٫ لذا تخليتُ عن تلك الشخصية في المكتب.
كان الذهاب للعمل بمثابة موعد غرامي٫ أستعيد فيه تعريف أنوثتي٫ ونوعًا جديدًا من الإثارة والنشوة.
كنت أشعر بلمعة العينين وتوقّد صدري كلما عثرت على معلومة بعد تقصّيها٫ أو أنجزتُ مقدمة “تحفة” في نظري.
في البيت٫ كنت أشعر بمسؤولية عالية عن الكثير من الأشياء معًا٫ مضافًا لها الشعور بالوحدة.
لكن في المكتب٫ أنا مسؤولة عن شيء واحد فقط٫ هو التقرير/المقال الذي أشتغل عليه.
وهنا عرفت أن لهذا “المي تايم” ٫ أفضليّة على روتين العناية بالبشرة أو مشاهدة مسلسل “Sex and the city” حين تنام ابنتي.
لا أعرف كيف أصف ما حصل لي٫ وما علاقة الثقة بالجسد بالكتابة بالأنوثة٫ لكن شعرت بأنني “سيكسي” مجددًا.
كانت تلك الأشهر أيضًا مساحة لاستكشاف ما يمكنني فعله خارج قفص التحرير٫ وخارج زمان ومكان محدودين.
فقد اتسّع الحيّز الجغرافي للكتابة٫ وكذلك العناوين والقضايا. كما أعادتني لبلادي٫ فلسطين حين كتبت عن غزة وسمعت في مقابلات “واتساب” لهجات من الدّاخل.
برزت أيضًا تحديّات٫ خصوصًا في الكتابة عن قضايا تكنولوجية٫ لكن بالمجمل شعرت أنني نجحت في التقاط أهمها والكتابة عنه.
تقريرا “الإنترنت السيادي في روسيا” و”الفجوة الجندرية في قطاع التكنولوجيا”مثلًا٫ تطلّبّا منّي البحث عن تعريف الكثير من المصطلحات حتى أفهم ما أكتبه٫ وأحلّل السياق الحقوقي بالتالي يفهمه القارئ.
بعد الإقالة٫ كنتُ بحاجة لنفض التوتر والقلق من المستقبل عن كتفيّ٫ بينما أشاهد ابنتي تكبر أمامي وتركيزي كلّه منصبّ نحوها.
بات التفكير بالعمل يتراجع في عقلي الباطن٫ وصرتُ ألعب معها بحضور كامل٫ ذهنيًا وجسديًا.
لكنني دائمًا بحاجة لهذا “المي تايم” الذي يعنيني وحدي. لذا كان “البودكاست” والنادي الرياضي والرقص وأحيانًا البكاء.
تخبطّت في عقلي القرارات٫ وأعلم أن لمواقع التواصل تأثير عليّ٫ فانسحبتُ منها قليلًا.
كان السؤال الأهم بعد 15 عاماً في الصحافة: من هي رحمة إن لم تكن رحمة حجة؟
هذا السؤال لم يكن وليد اليوم الأول لفقدان الوظيفة٫ بل برز منذ شهرين فقط٫ حين ظننت أنني لن أعود لهذه المهنة أبدًا.
والمهنة أقصد٫ عمل ما أحب٫ ودخلًا ثابتًا لدفع الفواتير.
قلت ربما يمكنني أن “أواكب العصر” وأفعل مثل الكثيرين٫ الدخول مجال التكنولوجيا٫ تحليل البيانات٫ وتدريب الذكاء الاصطناعي٫ إذ رأيتني أقرب لهما بعد القراءة.
لكن المساقات التدريبية في كليهما٫ كانت نتيجتها واحدة: ليس لي٫ لا يمكنني إجبار نفسي على ذلك.
حسنًا فلنعد للصحافة٫ ودورات تجعلني أكثر مهارة.
لا.
أعتقد أنني بحاجة أن أستريح فقط من التفكير٫ حتى أنني لم أتابع الأخبار٫ ولم أعرف إلا عناوين معدودة وصلتني عبر فيسبوك.
لم أتعلم شيئًا جديدًا بخصوص الكتابة الصحافية والتحرير٫ بل قررت الاستمتاع بفعل اللاشيء.
استمتعتُ بالمشي صباحًا٫ بالركض الذي قلتُ مرارًا “إنه ليس لي”٫ بالمونولوج المتصاعد على وقع صوت غسيل الصحون والملابس.
استمعت لعشرات الساعات من البودكاست.
تجنبت كلّ ما هو محزن حتى صور أمي ورسائلها الصوتية.
اكتشفتُ جمال قيلولة الظهيرة٫ حين قررتُ الاستسلام للنعاس بجانب ابنتي.
شاهدت بضع أفلام ومسلسلات٫ وتعرفتُ أكثر على الجيران٫ وصرتُ زبونة رسمية للمقهى بجانبنا في طقس عائلي أو في طقس “ماما آند توتة تايم”.
زرتُ قبر أمي في الأردن٫ وتشاركت مشاعر فقدها مع عائلتي وجهًا لوجه٫ دمعة تمسح دمعة بين يد وخد وعناق.
جلستُ ساعات طويلة على كرسيّها قبالة باب البيت المغلق على غيابها.
وبين عائلتي استشعرتُ قيمتي ك”رحمة” الأخت الصغيرة التي يحبّونها كما هي رغم تمردّها وعنادها.
ك”رحمة” ابنة الأخت والقريبة والجارة وصديقة الطفولة والمدرسة والعمل التطوعي٬ عبر وجوه وأصوات وذكريات٫ كم كنت بحاجة للولوج إلى عالمها.
أحيانًا ننسى كم نحن محبوبين من دون ألقاب.
دخلتُ حصصًا رياضية طالما رفضتها٫ لأجد نفسي ال”Big fan”!
كما عدتُ لفعل أشياء أحببتها وحالت ظروف بيننا.
حاولتُ فهم جروحي النفسية التي تؤثر على رحمة “الموظفة” و”الأخت” و”الزوجة” و”الأم” و”الصديقة”.
وعرفتُ أن التعافي يبدأ بذلك٫ وربما تكون الرحلة قصيرة أو طويلة.
يقول جايمس كلير “نعم للبطء لا للتراجع”.
وتقول ميل روبينز إن الإرادة الحقيقية للتغيير مرتبطة باستشعار الألم الذي يسببه الواقع المعاش.
كانت خوارزمية الكتب وبودكاست رانغن تشاترجي تقودني لأعماق ذاتي وعقلي الباطن٫ وكانت الظروف حولي تتغير بتوقيتي.
فإضافة عادات جديدة تتطلب صبًرا واستمرارية وإيمانًا بالنتائج لهوية جديدة٫ هي خُلاصة “Atomic Habits” والتحرر من “الإيغو” لبناء هذه الهوية٫ هو الرابط العجيب بين هذا الكتاب وكتابي “Rich Dad Poor Dad” لروبرت كيوساكي٫ و”A New Earth” لإيكارت تولي.
واليوم٫ بينما كنت أكسر الجليد الذي يغطي ممرّ بيتي٫ رأيتُ جارتي التي طالما جذبني اهتمامها الحثيث واليومي بنباتاتها وتظهر نتائجها في الربيع والصيف بأجمل مشهد خارجي لبيوت الحيّ.
فقررت تطبيق نصيحة روبينز في “The Let Them Theory” (بادِري).
ناديتُ: “جوزيفين.. قهوة؟”
فأتت.
دار بيننا رغم الرياح الباردة حديث طويل -لأول مرة منذ ٣ سنوات- تبيّن منه أننا نعيش نفس التجربة٫ بفارق ١٢ سنة٫ كرّستها لعائلتها والحديقة والكتب.
والآن تبحث عن عمل.
قلتُ “أفهمك تمامًا..وصلتُ لنفس النتيجة”. والصحافة هي ما أتقنه.
وبالطبع كانت هذه الفترة مكلفة ماديًا٫ لكن المال يعود٫ أما راحة البال قد لا تعود!

***

هذا النص يحكي قصة آخر محطة عمل لي مع شبكة الشرق الأوسط للإرسال٫ ككاتبة في موقع قناة “الحرة”٫ والاستراحة التي اخترتها لنفسي بعد قرار إقالة حوالي ٦٠٠ موظف أنا منهم.

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.