كيف يُخلَقُ الحب؟

في البدء كانت فكرة. فكرة خطرت على بال صبيّة من جنين في عشريناتها٫ ثم اعتنقتها. صار وجودها الحميمي مثل صديقي المتخيّل أيام المدرسة٫ حنظلة. وإن كنتُ أرسم له وأحادثه بطريقة الكتابة المعكوسة كي لا تفهمها معلّمة مللتُ من حصتها٫ أو سببت لي الحزن. صارت الكتابة الصريحة والعلنية لغتي مع هيباتيا٫ وقرأها الأصدقاء لسنوات هنا. وكانت…


في البدء كانت فكرة.

فكرة خطرت على بال صبيّة من جنين في عشريناتها٫ ثم اعتنقتها.

صار وجودها الحميمي مثل صديقي المتخيّل أيام المدرسة٫ حنظلة.

وإن كنتُ أرسم له وأحادثه بطريقة الكتابة المعكوسة كي لا تفهمها معلّمة مللتُ من حصتها٫ أو سببت لي الحزن.

صارت الكتابة الصريحة والعلنية لغتي مع هيباتيا٫ وقرأها الأصدقاء لسنوات هنا.

وكانت ابنتي٫ ابنة قوتي وابنة ضعفي ورفيقة الوحدة.

آمنت بها وأنها ستلتصق باسمي للأبد حتى لو لم تصبح الفكرة كائنًا بشريًا.

ثم بعد عشر سنوات أتت.

لم أقرأ لها وهي في رحمي٫ بل غامرتُ على أرض الواقع.

سرنا في الغابات٫ سمعنا موسيقى الطبيعة٫ بخرير المياه وحفيف الأشجار.

وصلها الهواء النقي الذي استنشقناه من أنفي.

وشعرت بحضورهم٫ أولئك الغزلان الذين مشوا إلى جانبنا في سكون مهيب بعد ليلة ماطرة في شانندواه.

خطونا بهمس وكانوا غير خائفين منّا. تبادلنا الحب عبر الأثير بلغة الصمت.

منحتني هيباتيا طاقة هائلة٫ وعرفتها على جمال الموسيقى الكلاسيكية.

سافرنا معًا٫ سمعت هدير الطائرة٫ وشعرت بيدي تطمئنها.

صعدنا جبالًا وسبحنا في مياه المحيط الهادئ ولطمتنا موجة عالية.

في لحظة ما خشيت الغرق حين تنبهتُ أن قدميّ لا تلامسان الرمال٫

تذكرت درس سباحة علمني إياه سامر٫ فنجونا من نوبة هلع.

مشينا معا كثيرًا وتناولنا أطعمة شهية.

شعرت أنني ابنة الخامسة والعشرين مجددًا في صورة التقطتها مرة بقميص وردي منقّش بالزهور، اعتقدت أنها لحظة لأجمل “أنا” في حياتي.

بعدها كنتُ “الأجمل” في مرآة صديقة بمدينة حيفا.

وفي جزيرة أواهو صرتُ كليهما٫ لكن لأنها هيباتيا٫ كنتُ أجمل.

استغرب العديد ممن قابلتهم أنني “وحدي” في هذه الرحلة٫ قلت “لستُ وحيدة٫ هي أو هو معي”٫ فكنت لا أعلم بعد جنس الجنين.

ثم خرجت للنور.

قالوا في المستشفى، يجب أن يلامس جلدها جلدك، أن توضع عارية على صدرك العاري، فهي بداية العلاقة بينكما، وإذ هي تبكي، ستهدأ حين تسمع نبض قلبك، وتشم رائحتك٫ فتطمئن.

هذه الوصفة الساحرة لكل يوم في أول ثلاثة أشهر من الرضاعة.

كنا نبكي معاً وأنا أخلط الدمعات بالضحكات، وهي لا تعرف شيئاً سوى أنها خرجت من الفضاء السائل إلى فضاء أرحب وأوسع مما تخيّل جلدها الرطب الطري.

إلا أن صوتي ورائحتي كانا الدليل٫ وسريرها الصغير المحاذي لسريرنا أخبرها أنها في مأمن.

كانت النصيحة أن أنام حين تنام٫ حدث فعلًا.

وهدأ العالم.

كانت علاقتنا الأولى سلسلة من حاجات البشر الأولى.

أن تبكي وأحضنها٫ أن تبكي فأطعمها٫ أن تبكي فأغير ملابسها٫ أن تبكي فنلعب سويًا.

والموسيقى الناعمة في سريرها رفيقتها قبل النوم بنصف ساعة.

أما حين تبتسم وهي مغمضة العينين٫ يا إلهي.. هل هكذا خُلق الحب؟

إنه حب جديد٫ لا يشبه شيئًا آخر.

أشعر أنني أعشقها بشكل غير مألوف٫ كأنّ روحها امتزجت في روحي٫ كأن ضحكتها نابعة من قلبي٫ أو أن ضحكتي نابعة من قلبها.

كنا نسمع معًا أغانٍ مفرحة وهي ترضع أو ممدة تمتص ضوء النهار أمامي على سريري تحرك أصابعها الصغيرة للهواء فترسم أشكالًا لا يراها سواها.

تبتسم للأشعة النافذة من شبابيك بيتنا الواسعة٫ فأشعر ببريق عينيّ تراقبانها.

خارج الجدران كان شباط وآذار باردان جدًا٫ لكن دفء البيت صانع المعجزات بيننا٫ أنا وهيباتيا.

حين أطلّ نيسان بزهور الكرز٫ وشمس الربيع٫ سرنا معًا للمساحات الخضراء عند ضفاف نهر البوتماك٫ نستنشق الهواء الرطب من مطر الأمس.

وفي حقيبة على ظهر أبيها أو ظهري٫ مشت هيباتيا في الغابات٫ وبدأت تشاهد ما سمعته وهي في رَحمي٫ مضافًا لها الطيور والحشرات الصغيرة ولمست قدماها العشب والتراب.

كانت حافية دومًا برغبتها وإصرارها على هذا التماس بينها والطبيعة٫ حتى استسلمتُ لذلك وأدركتُ أهميته.

بريّة صارت وبريّة روحها ما زالت٫ وجدت وحدها الطريق للكتب٫ وللحب وللابتسامة.

تحب الناس٫ وتعرف متى تقول نعم ومتى تقول لا.

أنظر إليها طيلة الأربع سنين وأتمنى في أعماقي ألا يغيرها العالم.

وتدهشني فطرة الأطفال٫ أو ربما فطرتها هي.

سألتُ نفسي مئات المرات٫ كيف فقدنا كل ذلك؟ كيف نحاول الآن استعادة بعضه؟

قبل أسابيع كانت تلعب في مساحة أطفال داخل مجمّع تجاري٫ ووجدت أصدقاء كالعادة٫ بعضهم يقلد طريقتها في اللعب.

ثم بينما يصرخ عدد كبير ويدور في محيط الألعاب ويلحق بعضهم بعضًا٫ انفصلت هيباتيا تمامًا وبدأت ترقص الباليه.

أخبرتني مرة أنها تستطيع الغناء في عقلها٫ وأن هناك موسيقى في الداخل تسمعها.

راقبتها من بعيد٫ ورأيتُ الحب يرقص. كنت أحاول التقاط موسيقاها.

ركضت بعدها نحوي وعانقتني.

ثم عادت للعب.

هل هكذا خُلق الحب؟

***********

جزء من هذا النص كتبته وهيباتيا عمرها أربع أو خمس شهور٫ وأتممته اليوم في عيد ميلاده

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.