2015
أنا أنت ورام الله
تطلّ على رام الله من إحدى زواياها المهمّشة، كأنك تُطلّ على المنفى في اغتراب يديك على حروف اللوحة الباردة التي ذاقت كثيرًا من عذابك أو عذاب المتعبين.
يمرّ عنك المرضى والجوعى وأصحاب فواتير المياه والحالمون والواثقون والمحبطون والمحتجّون والقانعون والقادمون إلى لهو خفيف في حضن الحديقة الملونة بأوهام الطفولة، كما تمر عنك فصول هذي البلاد من اعتدالها في شمس أبريل إلى تطرّفها في ثلج ديسمبر، وأنت ترقب كل ذلك بارتباكك وابتسامة، أو بنفس طويل من سجائرك الكثيرة والقليلة.
كم انتظرتَ لحظات صافية في سماء بلادنا كي ترى بحرًا خفيف الموج في همس التجلّي، كم انتظرتُك أقرب.. لم تدخل في عمق بحرك أو ترتاح في مركب شاغر ينتظرك، كما لم تهدهد على تعبي في غيابك.
تعانق حزن البلاد حين تسبح في عينيك جنازة شهيد مارقة، كما تدخل عيناك في صمت طويل حين تجرجر الضحكات نفسها في ممر نظرك. كم أنت مُبصرٌ في مكانك، وكم كنتُ عشواءَ قبلكَ حتى إليكَ اهتديت، واهتدى دمي ودمعي وخافقي نحوك.
تفاصيل يومك العادية جدًا هنا، في زاويتك التي تشبه منارة عكا، تصبح فجأة لذيذة ومغايرة في البعد عنك. فكل الناس تسمع فيروز وتشرب قهوة في الصباح وتتناول طعامها سواء فطورًا أو غداءً، وأنت كذلك، وكل الناس تفرح وتحزن وتغضب وتغني وتقلق وتشرُد وتغيب في العمق حينًا وتعلو زبدًا على سطح الأشياء، وأنت كذلك. كلّ الناس تسخرُ وتؤيد وتعارض وتفتعل المشاكل وتُسامح وتعرب عن سخطها أو تكابر، وأنت كذلك، لا بل أنت سيّد المكابرة.. ورغم عاديّتك المفرطة، أحبك. وأعرف أنك الوحيد الذي استطعت تغيير بعضي ليتكامل أسرعَ في بعضك حتى لو لم يلتقيا.
لا شيء يفرقنا كما لا شيء يقرّبنا الآن، لكنّي أتقمّصكَ بقصديّةٍ عالية، وتُعجبني حالتي، حتى لو لم ترني. أعرف أنك بشكل ما تسمعني، وتردد اسمي في ذاكرتك كي لا تنساه. أنا أجمل ما في ذاكرتك، فهل تُنكر؟
أستمعُ لأغانيك المفضّلة، أتناولُ طعامكَ المفضّل، أجرّب أنواع الشوكولا الجديدة كي أحتفظ بالألذّ وأخبرك به يومًا، “أحوّش” موسيقى وأشعارًا جديدة كي أقترحها عليك إذا ما عُدنا رفاق دربٍ وروح، أقرأ كل ما فاتني مما قرأت كي أصير ندًا قويًا لاستهتارك الذي يظُنني فريسة، وأقرأ ما لم تقرأ أيضًا كي أشرَبَكَ وحدي في لغةٍ فريدة، لا تليق إلا بك.
أنا انتصرتُ أم أنتَ من منّا انتصر؟ لا فرق. لقد ربحنا معركتنا الخاسرة منذ البداية حين صمَدنا أمام قبلةٍ خاطفة، وجعلنا من العناق شيئًا مستحيلًا، وهزمتنا -لا شك- أمنياتنا المدفونة إذ تُلحّ علينا آخر كلّ يوم بغصّة في الحلق ودمعتين!
لم أعد أسالني “لماذا” لأنني آمنتُ أنك هكذا، وأنّ قلبي هادئ في موجه نحوَك، لا يغيّره البعد إنّما يزداد صبابةً وجوى. ربما سينتهي يومًا إذا لم تكن مثلي، تزدادُ شوقًا، لكن النهاية ليست الآن يا “أعدلَ جائر”، ولا تزال عيناك كما تقول القصيدة “حلمي الذي سيكون.. كبيرًا كما يحلم المتعبون” ولا تزال في نظري الأحمقَ الذي يبكيني ويضحكني ويغتال بردي في ليالي الحرب القاسية.
أنا أنت وكاميرا ليست لنا
كانت أيامًا صعبة. نعم. كانت! قبل تلك اللحظة التي بدأت أنبشُ فيها صوري القديمة، حيث أراني في بعضها جميلة حد الخيال، وفي البعض الآخر أتساءل “كيف تحمّل الناس شكلي دون أن يضحكوا؟”..
وفي تلك اللحظة تمامًا، تمنيتُ لو أتحدث قليلًا عن الكثير من حُبي لك، الذي أحاول دفنه يوميًا، كي لا يغدو الأمر أصعبَ عليّ بعد حين.
كان شيء ما في صدري يخزني، ويكتم صوتي، وأكاد لا أطيق سماع أي صوت حولي، إذ لا أملك السيطرة على ما في جوفي ومُربكاته من الخارج. لو أن الإنسان يملك فقط لحظة، لحظة واحدة دون فكرة تعبر البال! لو أنك لم تكن يومًا “فكرة” في البال يا شاك!
الصور القديمة فيها كل شيء. عُمري الذي مرّ بطيئًا سريعًا. اختلاف ذوقي بالملابس وطريقة ارتداء شال الرأس. مراحل لم تعرف فيها الكحلة طريقها إلى عينيّ، وأخرى شهدت تكتلّ “الماسكارا” على الرموش إلى جانب الكحل العريض. أحيانًا ملابس طويلة وفضفاضة وشفتان بلا “حُمرة” وأخرى ملابس ضيقة وأقصر من الأولى و40 دقيقة أمام المرآة لترتيب الألوان على وجهي. حاجبان سميكان ورفيعان ومتوسطا السمك. وجه مشرق في حين، وفي حين آخر متعبٌ تعلوه شوائب نهار طويل أو حزن كثيف. أماكن مختلفة. أصدقاء خانوا وغدروا ونسيت محو صورهم وآخرون ما زالوا يقرعون جرس “الواتساب” أو يظهرون في فقاعات الــ”Notifications” في الفيسبوك. نظارات ضاعت وسُرقت وأقراطٌ لم يعد لها في علبة الفضّة أثر. إكسسوارات ما زالت تملأ خزانتي، لكني لم أعد أرتديها كالسابق. صور أبدو فيها سمينة وأخرى نحيفة، وأحب نفسي في الثانية أكثر، وأبكي على الأطلال، مجازًا! أشخاص رائعون قابلتهم وأماكن زرتها للمرة الأولى وأفراحٌ شاركتُها وقصصٌ كتبتها وطعامٌ تذوقته ونسكافيه شربته وشايٌ عشقته وياسمينٌ معلق بين الأرض والسماء، وأنت.
أنتَ إذ يُطلّ رأسك خلفي من صورة نسيتُها، وتبدو فيها خلابًا كشجرة لوز مُزهرة، بذقنك المحلوقة، بينما أضحكُ أنا لصورة ثانية وتبدو خلفي هادئًا حائرًا في أعقاب سيجارتك، مع ذقن خفيفة، وعينين غائرتين نحو الرماد، وشعر مصفف إلى الجانب الأيسر، وأنا ما زلتُ في الصورة أضحك، وأنت تبدو غاضبًا بهدوء داخل معطفك الأسود!
كم أنا محظوظة بهذه اللحظة، التي ظننتُ فيها أن لا شيءَ منكَ لديّ، حتى رأيتك. وأنا التي ترضى ببعضكَ بينما جميعُك يسبحُ في كُلّي!
ويحبني الله أكثر هذا المساء، ويُغدق على قلبي بالنعم، حتى يُعطيني منك ضحكة. هل تُصدق؟؟ ضحكتكُ كلّها لي الآن، تهرولُ إلى قلبي، وتفتح نوافذه للضوء، وتتركني لبعض دمعات سعيدة.. يا ضحكتك المرتجفة.. يا حظّي وأنا أرى عينيّ المذهولتين أمامها في فيديو قديم التقطته بنفسك لنضحك وأخجلَ من حماقتي فيه وقتها، لكنني الآن أغبطُ حُمقي لأنه قادكَ لتضغط زرّ تشغيل الفيديو في كاميرا ليست لنا، لتصبح تلك اللحظة فقط لنا، وأصبح أنا الآن، بعد كل تلك الأيام الصعبة، موقنةً تمامًا، بأنكَ سرّ من أسرار سعادتي في هذا الكون، ولا أريد أكثر!
صوت ضحكتك، تمامًا كما أعيده ذهنيًا يومًا بعد يوم في غيابك. كيف لك أن تُحدثَ كل هذه الجلجلة الآن بين ضلوعي؟ كيف تستطيع إعادة ترتيب أيامي في لحظة، وأن أتحوّل فجأة لكتلة من الخفقان اللامتناهي والشوق الذي لا ينتهي لملامحك.. يا هذه الملامح، ما أقساها، وما أجملها حين تتفكك إلى ضحكات وثنياتٍ حول عينيك وشفتيك!
أفكر فقط، أن لحظة قدَريّة منعتكَ من ضغط زر الإيقاف، قبل أن تُسجلّ التقاء عينيّ بضحكتك.. أفكر فقط بالحكمة الكونية التي جعلت من صوتكَ دواءً، بعدما ظلّ شهورًا محضَ داء!
أنا أنت والأصدقاء المشتركون
والمسافة بيننا 88 صديقًا/ة مشتركًا/ة في ملعب الفيسبوك. سيظهر البعض منهم ويغيب آخر؛ وفقًا لتطبيقات الخصوصية لديه. قد تعرفهم جميعًا وقد أعرفهم مثلك، لكننا لا نعرف تمامًا قوة علاقتنا بهم في أرض الواقع.
أتخيّل لو صارت المسافة بيننا جسرًا يرسمه الــ 88 صديقًا/ة مشتركًا/ة، بوقوفهم صفًا متراصًّا، ماذا لو عبره كلانا؟ قد أمشي نحوكَ عَبرهم وتمشي نحوي من خلالهم، حينها سيكون الوقت اللازم لقطع المسافة خمس دقائق، كما يمكن أن نتورّط بينهم في سنوات عجاف من عُمرنا.
ولأن لهفتي إليك تستعرُ فجأة، وتذوي فجأة، سأستغل زمن الرغبة، وأمشي نحوك، ويسبق قلبي خَطوي، حتى أصلك منتصرةً على الوقت تمام الدقيقة الرابعة، وأحوز بعدها على ابتسامتك، وربما تكون مشغولًا، فلا تكترث.
وقد أمشي بتباطؤ حواء إليك، وتمشي إليّ بهَيبة آدم، ونلتقي في منتصف المسافة، تمام الدقيقتين ونصف الدقيقة، بابتسامة كاملة الملامح وبريق في العينين مكتمل النضوج، ثم ننضم إلى الأيدي المتشابكة فنكون جزءًا من المسافة بين عاشقين آخرين.
لكن ماذا لو ظللتُ واقفةً بانتظارك، وأخَرتكَ مشيتُكَ المتعالية عني دقيقتين، هل ستجدني؟ ماذا لو حصل العكس؟ هل سأجدك بانتظاري؟
طويلة هذه المسافة بيننا كصيف حار، وقصيرةٌ كعُمر. ربما ننشغل فيها بالآخرين. سيُصادفك صديق لم تره منذ مدة فتسلم عليه، وتطالعان معًا آخر أخباركما، وربما تصطدم ببعض الأشخاص، تتفرّس وجوههم، وتتساءل بينك ونفسك “من هؤلاء؟ كيف أصبحنا أصدقاء؟ منذ متى ونحن أصدقاء؟” سيبتسم بعضهم لك، ويسألك “كيف الحال؟” وتجيبه مُحرَجًا “الحمد لله بخير.. نلتقي لاحقًا”؛ لتكمل المسافة نحوي، لكن صديقة قديمة تبتسم لك، فتمد يدك مصافحًا، وتتبادلان أحاديث طويلة، توقظان فيها نوم الذكريات، ستضحك كثيرًا، أعرف أنك ستضحك كثيرًا.
وبعد ضحكات متتابعة مع صديق وصديقة، ستواصل المشي، ستحتاج لتبادل سجائر مع زملائك المشتركين بيننا، الذين سيناقشوك في أمور عدة تخصّ العمل، وقد يتشتتُ نقاشُكم فيمازحونك في حياتك الشخصية، ويغمزونك “ما سرّ أناقتك اليوم؟” أو يتجه النقاش فيغدو حادًا ومُتعِبًا، لتعتذر منهم، وتواصل الطريق.
ستلتقي بامرأة أحببَتها ذات مرحلةٍ في حياتك، لتغدو اليوم صديقة “فيسبوك”، لا تتبادل وإيّاها أكثر من “لايك” وتعقيبٍ على “منشور” معايدة، ستُذكرك عيناها بقلبك الغر، وقد ترتبك في قول الــ”مرحبا”، لكنك لن تتردد في سؤالها عن حالها، كنوع من المجاملة.
وتمُرّ بامرأة ثانية، كانت أمنية عشق غابرة لولا أن قطار الزواج سحبها منك سريعًا، حتى قبل أن تبوح بالسر الذي حفِل به قلبك فصولًا دراسية طويلة في الجامعة، هنا أتخيّل لمعة حزينة في عينيك السوداوين، مع ابتسامة رقيقة تُطلقها لها، وربما تحمل طفلتها الجميلة وتداعبها قليلًا، كعادتك حين تُشاهد الأطفال.
صديقتنا التي عرفها كلٌ منّا على حدة، ستكون بينهم طبعًا، ستتبادلان التحايا والأخبار، وستسألك عني، لأنها تحبني كثيرًا، ولا تستطيعُ محادثةَ أيّ من معارفنا المشتركين دون ذِكري، حينها، ستَفطَنُ أنك تأخرت كثيرًا، وتُطمئنها عنّي، وتمشي إليّ واثقًا بأن الموعد لم يَفُتك.
بعض المسؤولين الذين أصبحوا أصدقاءنا لظروف عملنا، ستلتقيهم أيضًا، ولن تستطيع التملّص من مصافحتهم ومحادثتهم، كي تحافظ على علاقتك بهم، لأن تضعضع العلاقة يعني فقر إنتاجك المستقبلي حين تحتاجهم.
أصدقاء جدد وقدامى.. معارف ومصالح.. ذاكرةٌ تنتعش وأخرى تنتفض.. يدٌ ترتعش وأخرى تشتعل في المصافحة.. حبٌ وضغينة.. خيباتٌ وتحوّلات.. وأكثر، هكذا هي المسافة بيننا، مراحلُ من الأصدقاء، ولكل صديق مرحلته، ولا يبقى سوى القليل حتى مرحلتنا الأخيرة.
هل فكرتَ يومًا بالصديق الذي شهدَ معك جميع المراحل والتحولات ولم يُغادرك لأن مرحلةً ما في حياته تطلّبت ذلك؟ أنا فكرتُ كثيرًا في الأمر، ووجدتُ عددهم أقل من أصابع اليد الواحدة، ولا أحزن.
تأخرتَ يا عزيزي، أنا الآن أبعدُ من خيالك. ما أطول الطريق إليك، وما أكثر مشتِتاتكَ فيها نحوي.. لكن، كيف سأعرفُ وتعرفُ أنكَ أو أني تأخرتَ/تُ ونحن لم نضبط البداية في ساعة التوقيت بيننا؟ هل نُضمرُ مؤشرًا داخليًا يدلّنا على البدايات ويترُكنا لاهثين خلف النهايات؟ أو ربما ستكون نهاية هذي المسافة بداية لقائنا.. ماذا سأقول لك؟ وما الذي ستقوله لي؟ ربما سأظنكَ جزءًا من المسافة فأكمل السير مبتعدةً إلى حيثُ البداية، وتَخالني جزءًا من المسافة فتصافحني بقلب صدئ وعينين نحاسيّتين، وتمشي بعيدًا، إلى قَدَرِك!
أنا أنت وشهيد زعترة
فجأة، تنتفض الإذاعة، وتُبهرنا بأغانٍ ثورية أجرأ من سياستها اليومية. حتى أن أغنية لأميمة الخليل تنال اهتمامي لأنني لم أسمعها سابقًا، بينما “عوفر والمسكوبية” التي سجّلت أوان وصولي البيت، كانت الشرارة للجري في ذاكرتي نحوك. لقد اكتشفتُ جُرح كلماتها معك، وتهتُ في موسيقاها بحثًا عن زمن مختلف حين كان الصوت يعلو وتعلو طَرقاتُ أصابعك على طاولتك؛ تناغمًا معها.
الحنين، هو ما يتحرّك في دواخلنا حين نستمع لمثل هذه الأغاني، كما الأمل. إلا أنها لا تتجاوز انفعالًا شعوريًا صاخبًا مدويًا لا يتجاوز فوران الدم في الطريق السريع بين القلب والدماغ، لنرتاح بعد ذلك حين تصمت الموسيقى، ونشعر بأننا قد فعلنا شيئًا، للبلاد.
أيّ بلادٍ تلك التي لا تستطيعُ مدّ ذراعيها لتنتشلنا من هذا البؤس الذي نغرقُ فيه؟ من منّا مدينٌ للآخر، نحن أم هي؟ لا أعرف لم أفكر في ذلك الآن، وأنا التي تخلصت من هذا السؤال منذ زمن، زمن بعيدٍ جدًا.
أراكَ جيدًا في التفاصيل الصغيرة والمعالمِ الكبيرة، أراكَ بوضوح، ربما أوضح من المطلوب. أستعيدُ صوتكَ تتكلم أو تُدندن أو تصرخُ أو تسخر أو تضحك، أستعيده جيدًا كي لا أنساه؛ ففي الغياب، أصبح لصوتكَ معنى آخر، غير ذلك الذي اعتدتُه. وما الغيابُ يا عزيزي سوى اكتشاف ما كنّا نخشى اكتشافه؟!
نعم، صدقني هذا هو الغياب. أحيانًا نقع في حب أحدهم، ونظلّ نُنكر ونُكابر ونتجه إلى تأويل الأحداث على غير حقيقتها كي لا نتورّط في الحب أو لا نتورط في الآخر، على وجه التحديد.. ثم يغيب، ثم نغيب، لندرك معنى كل لحظة قضيناها ونستعيدها كما لو كانت عبقرية فنان أو رواية باذخة لأحد المؤلفين العُظماء، وقد نحزن لأننا لم نلتقط الجمال حين كان بإمكاننا أن نملكه، بينما نحن الآن، نكتفي باشتهائه!
ويصحّ أيضًا تفسير الأمر معكوسًا. إذ ببساطة نكتشف أن غيابنا لا يُشكل فارقًا لدى أحدهم رغم أن غيابه ليوم واحد كان يُوجعنا. أو اكتشافنا بأننا لا نمُتُ للآخر بأي صلة لأننا ببساطة كذلك، نسيناه في الغياب.
الغيابُ أيضًا يكشف لنا مآثر الراحلين، تلك التي صرنا نفتقدها الآن، ونتمنى أن يعودوا للحياة كي نتشبث بها دون إهمال مقصود أو غير مقصود، على سبيل ابتسامة متبادَلة. وفي هذا التفسير قد يرتبطُ الغياب بالندم، الشر الذي يُنكّد شغَفنا بالحياة.
ومن هذا الباب أدخل إلى بيت الشهيد في كفرراعي. أنتقي إحداثيات غيابه، وربما أقابلها صدفة. أطيلُ الجلوس مع فاقديه ومفجوعي غيابه، وأرى ما لا يُرى في عيونهم وبين الطيّات الدقيقة لأجفانهم، ثم أُطلّ على المدى المكسوّ بالزيتون، وتُنقذني نسمات الهواء الباردة في هذا اليوم الواقِد، من تصدّع قلبي أمام الدموع وكوابيس النهار التي تشي بغيبة مفاجئة لك، وربما لي، فلا أسهل من غياب مفاجئ وموجع في هذه البلاد، التي يقرر فيها قناصّ إسرائيلي إنهاء حياتنا ويُنفذ قراره دون رادع أو عقاب.
“نحن تحت الاحتلال وكل شيء تحت الاحتلال متوقع مهما كان مؤلمًا”، نعم.. أعرف ذلك، لكن إلى متى سنحتمل يا شاك؟؟ إلى متى ستظلّ النسوة تودع أبناءها بالدمع والآهات ونظل نلهث خلف صور الوداع ونُحيل الخاصّ عامًا ونجعل من كلمات الفجيعة سبقًا صحافيًا؟
كيف للأشياء اليومية والعاديّة جدًا أن تُصبح فجأة صيدًا ثمينًا لنا نتفرّسه بعناية كي نتحدث للعالم عن جريمة قتل عالية القصديّة والترصّد؟ حذاء الشهيد، صوره في استوديو يُتقن الفَلترة والفوتوشوب، بيته غير مكتمل البناء، عيناه اللتان التقطتا صورة أخيرة لعائلته التي تناولت “المسخن” احتفالًا باجتماعها، أمه، أخته، أخوه التأم، أبوه الذي بكى لأول مرة في حياته، مكان نومه الذي يتوزع حيثما اتفق، الحنفية الخارجية في ساحة الدار التي يتوضّأ منها، “شوالات” البصل المعلقة على دالية البيت في إطلالة على أراضي القرية التي تتفرق فيها بعض البيوت الملونة، كأنها في ألوانها تستجلبُ الفَرح، وأيّ فرحٍ هو الذي يأتي ناقصًا؟ أيضًا أيّ حزن كامل؟ إن أيًا منهما لا نستطيعُ إدراكه!
في لحظة بائسة، أخاف عليك. وأخاف على نفسي. وأعرف لماذا أخاف وأخشى خوفي هذا كما أنني لا أُتقنه! ويُعجبني أنني في اليوم الثاني أمشي مبتسمة ومتعالية على أي شيء يسحبُني إلى الوراء، فقط لأنك هكذا، دون سبب، تخطرُ على البال.
سلّم عليّ لما قابلني
توقفت عن مناكفة القدَر واستسلمتُ لقراراته، ولا أعني بذلك أنني قبل ذلك اتخذتُ قراراً من رأسي، فكلّ ما كان هو قدر، وكل ما حدث وسيحدث قدَر.. أنا لا أختار شيئاً، الحياة تختار، وأنا مذعنة وراضية وأقول هل من مزيد!
هذا التوقف عن المجادلة الذاتية معه ومع الآخرين والأحداث التي جرت قبل هذا القرار، كان كل ما بعده مفاجئاً أكثر مما توقعت، هو بمثابة Science fiction بالنسبة لتطلعاتي من الحياة..
وإحدى هذه الحوادث القدرية، أنني رأيتك في ذلك اليوم، الذي جمع العشرات منّا أقصد نحن أبناء المهنة الواحدة.
لا أعلم إذا كنتَ لمحتني قبل أن ألمحك، أو رأيتني قبل أن أراك. كنتُ وحيدةً جداً، ورغم تجاربي العديدة في الحياة، ما زلتُ أجهل فن التعارف والسلام في اللقاءات والاحتفالات، أظل ملتفة بصمتي حتى يسألني أحدهم “كيفك؟” أو “مرحباً، أنا فلان، وأعمل في المكان كذا..” وإن لم يحصل ذلك، لا أبادر لتحية أحد. أنا هكذا -على الأقل لغاية كتابة هذه التدوينة- والقدر وحده يعلم إن كنت سأتغير.
كنت أرتدي الشال التركواز الذي تحبه، لكنني لم أرتده لأنك تحبه، فأنا لم أتوقع حضورك هذا الحفل، لكن ربما هو القدَر الذي جعلني أختاره، إضافة إلى أنني أساساً كنت نسيتك في تلك الفترة، وظننتُ كلّ الظن أنني توقفتُ عن الشعور بك كما السابق.. وللتنويه، السابق هنا يعني شيئاً يشبه الحب، أعني الحب من طرف واحد، وهذا الطرف اليتيم أنا.
كنتُ وحيدة ومحتارة هل أكسر وحدتي بشرب الماء أو العصير أو النسكافيه! الكثير من الوجوه تتحرك أمامي وأعرف بعضها من الصور في الفيسبوك أو التلفاز وأخرى قابلتها سابقاً. وفي تلك اللحظة تحديداً خُيّل لي أنّي رأيتك، بقميص أزرق سماوي وشعر مصفف أكثر من المعتاد، وذقن مشذّب، وجهٌ تهيّأ لاحتفال، هكذا رأيتك، لمدة 5 ثوانٍ وربما كانت الثواني سبعاً.. لا أدري..
وكأنّ شيئاً مسّني، أدرتُ وجهي ودمعةٌ تتحرك بين ضلوعي بانتظار فرصة للوقوف على هاوية العينين.. كنت أظن أنني حزينة جداً لدرجة أنني تخيلت وجودك.. كأنك شبح!
سارعت إلى صديقتي، هي فعلياً لم تكن في ذلك اليوم صديقتي، إذ اختارت غيري للرفقة، لكنني احتجتُ أحدًا ما لإخباره عن هذا الارتباك والتوتر الذي أدخل البرد لجوارحي في يوم حار وفي المدينة الأشد حرارة في البلاد.. هي -على الأقل- كانت تعرف أنك عشتَ زمناً في تفاصيل القلب والذاكرة، لكن ما لم تعرفه هي و أنا حتى تلك اللحظة (رؤيتك)، أنك ما زلت تعيش فيهما..
عدتُ محاولة التماسك إلى حيث رأيتك، ثم بالفعل رأيتك.. أنت هنا حقاً، تجلس مع أصدقائك الذين أعرفهم، تضحك معهم.. أنت حقيقي إذاً ولستَ شبحاً..
سلمت علي بعينين وضحكة تدّعي أنك متفاجئ بوجودي أيضاً، ثم قلت “كيفك؟” وأنا هضمتُ كل ارتباكي وتوتري وابتلعتُ ذاكرتي وهذّبت ابتسامتي وأبقيتُ قائمتي ورأسي منتصبين، أثناء الرد “الحمد لله، تمام..” ثم انتهى كلّ شيء.. عدتَ إلى أصدقائك وأنا عدتُ إلى من لسنَ صديقاتي..
لماذا هذا المكان قدر؟ ربما لأنه كان شاهداً على أول مصارحة بالحب .. على أول صورة التقطها هذا الحب لنا، وأول ضحكة من قلب يخفق للمرة الأولى بالتوازي مع خفقان القلب الآخر.. لكنه لم يستمر طويلاً، ثم كنتَ أنت، وعدنا إلى نفس المكان، لكن ليس لنلتقي حبيبين، بل لنزيد مساحة الفراق بيننا عن سبق إصرار!
سؤالٌ وحيدٌ ظلّ يدوس على قلبي طيلة ذلك اليوم وفي طريق العودة حتى الوصول إلى غرفتي وتبديل ثيابي ثم إغماض عينيّ على غصّة “لماذا في هذا المكان الجميل الذي أحب، اختار القدر أن ألتقيك، دون أن نلتقي.. لماذا لم تتركهم وتأتي إلي ونعيش هذا اليوم معاً؟!” وجميع الذين سنتركهم لن يخسروا شيئاً دوننا.. لكننا، أنا وأنت، خسرنا كل شيء؛ والفرصةُ يا عزيزي كانت كلّ شيء.
أضف تعليق