رحمة حجة

سرتُ عشرات الأميال فتعلقت بالأرض وكل ما هو طبيعي. سافرت آلاف الأميال فأبهرتني المتشابهات بيننا أكثر من المختلفات. صرتُ أمًا فازددتُ إيمانًا بجدوى الخيال. رويت قصص الناس وآن أوان قصّتي.

روايتان لسليم اللوزي

بواسطة

بوصة

هل يخنقنا الله خلف العتمة؟

يوليو ٢٠١٦

الجرّاح “الذي فقد عقله”.. طفل الإشارة.. المرأة التي تنقب عن الثمار الذابلة أسفل عربات الباعة.. غسان المزدوج بين بارٍ وشيخٍ وزوجة متملّكة.. الإمام الذي يتحرش جنسيًا بالأطفال.. الخوف يدي الله الممتدتين في الفراغ إلينا لتخنقنا.. أزمة بيروت المرورية.. وغيرها وما بينها جميعًا في تفاصيل دقيقة جعلها الكاتب اللبناني سليم اللوزي في كفّة، وحياة الشخصية الرئيسة لرواية “خلف العتمة”، في كفة أخرى من ميزان الحلم واليقظة. 

137 صفحة -إلكترونية- قرأتها مشدودة إلى التفاصيل ومحاولة فهم المغزى أو ربما اللامغزى في سردها، تربطني خيوط تشويق عديدة داخلها، من أجل السير إلى النهاية، لكن ليس نهاية واحدة، بل نهايات عديدة، وربما ما يمكن أن يظنه القارئ “الأهم” لم ينته، وهو الجواب على سؤالات الشخصية الأساس: ماذا تريد “الحزينة” مني؟ ما الذي سيحصل في ما بعد؟

“الحلم واليقظة”

وإن كان اللوزي ضيّع خيط التشويق والتفاصيل غير المحشوة بالخطابات والأحكام الجاهزة والذاتية المطلقة للكاتب نفسه في صوغ الأحداث والحوارات، في “ذبائح ملونة”، فقد تفوق على نفسه في هذه “العتمة” بالولوج إلى الذات الإنسانية والعقل المشغول دائمًا بكل ما يحصل حوله، دون أن ينبس بحرف، إنما بمونولوجات متتالية ومتداخلة، يمكن أن تنشأ في السير على “كورنيش” البحر أو في باص المدينة الواصل بين البيت ومكان العمل، أو أثناء مشاهدة رهانات خاسرة في سباق الخيل، وغيرها من الأماكن، الملموسة في الواقع والمحسوسة في الحلم، لكن ما الشعرة الفاصلة بينهما؟!

تعيدني هذه الثنائية المتناقضة والمتكاملة إلى  مقاعد الجامعة في السنة الأولى، تحديدًا إلى شعبة “الدراسات الثقافي” وحوار بين الأستاذ وزميل بدا في ذروة عبثيته لحظتها، حين كنّا نناقش فكر رينيه ديكارت، ليقول عبد الصالحي: “كيف يمكننا التمييز بين اليقظة والحلم.. في أيّها نحن الآن؟”، ويجيبه الأستاذ: “نحن في اليقظة” ويرد الصالحي سريعًا لكن بهدوء وثقة “أو ربما في الحلم” وسط صمتنا نحن الطلبة..

يلجأ الغارق بين حلمه ويقظته في الرواية، إلى شيخ شبه عرّاف أو ساحر، وإلى الإنترنت، بحثًا عن تفسيرات علمية ومصطدمًا بتفسيرات دينية تتعلق بمفهوم “القرينة”، وإلى صديق، من أجل معرفة السر خلف كل ما يحيط به، زوجته شبه مغيّبة من هذه المعادلة، التي يعيشها بين وقائع حياته اليومية خارج البيت، وداخله بينما هي نائمة.

“هو”، الذي لم يمنحه اللوزي اسمًا، يخشى ما يراه في كل حلقة من مسلسل “الحزينة” الذي يعيشه، وفي ذات الوقت لا يريد التخلص منه، بالأحرى لا يرغب بالوصول إلى الحلقة الأخيرة؛ لماذا؟ أعتقد لأنه يوقن داخليًا أن انشغاله به ينهيه فرك عينيه في إشراقة يوم جديد، بينما المستمر والمخيف والمعضل، هو كل ما يرويه من قصص الآخرين وقصة مدينته التي تجمعهم على شوارعها وأرصفتها وكورنيشها وفي مكاتبها، حيث ينجو منها جميعً، في وقت النوم، الذي غدا أحب الأوقات إلى نفسه.

هل يكره بيروت؟ هل يحبها؟ لا علاقة عاطفية بين “هو” والمدينة، لكنها تلك العلاقة الجدلية الموجودة بين ملايين البشر والأماكن التي يقطنونها، إنهم يشتكون دائمًا من حاضرها ومستقبلها، لكنهم في لحظات كثيرة يشعرون بهذا الشغف الخفيف ببعض تفاصيل عجلة أيامها المكرورة.

شاغلٌ بينهما

قراءتي لروايتي اللوزي في فترة متقاربة، أطلعتني على بعض الأفكار المشتركة بينهما، ويبدو أنها تشغل بال الكاتب، وأبرز تلك الأفكار، المتعلقة بالله والدين ومسألة التخيير والتسيير، والإهداء في فاتحة الرواية كان استكمالا وتوطيدًا لهذا الشاغل. كما  كرر بعض التشبيهات، في سياقات متناظرة. 

ويقتبس الكاتب من جلال الدين الرومي ثلاث مرات، اثنان في مقدمة فصلي الرواية وواحدًا في المتن، وتأويلي أنه جزء من مرحلة يمر بها شباب عرب في السنوات الأربع الأخيرة، أستطيع تسميتها بـ “نزعة مولانا”، ويستطيع أي شخص ملاحظتها في موقع الفيسبوك، علمًا بأن كلامي يظل في سياق الافتراض.

وفي الاقتباس الثالث تحديدًا، أفلت من اللوزي خيط الوعظ، لكنه لا يضر بالصحة، فالشخصية في الرواية معتدة كثيرًا بنفسها وتتحدث عن تفاصيل كثيرة من أجل إظهار إعجابها بما تفكر به، فكان واقعيًا أن تنزلق موعظة ما في حوار عادي بينها وآخر.

نهاية 

الرواية لم تصل نهايتها في الصفحة 137، ولكن في صفحة رقم 128، حين قال “أغمض عيني. لقد تخلصتُ من التعويذة”.

هذه النهاية المنطقية لشخص يعرف قيمة عقله، أكثر من كلام المشعوذين، ومُقبلًا على ما يُمكن أن يحدث مستقبلًا، دون خوف من أن تلاحقه “الشياطين” في أحلامه.

ومنطقي أيضًا بالنسبة لـ”هو” لأنه طوال مسار الرواية يحاول فرض خروجه عن روتين العادي والتقليد.

“هو” لم يخضع لما يفرضه المجتمع المتمثل في صورة “غسان” من أمور عليه، وهذا الأمر الواقعي، حيث إلحاح هذا المجتمع على فرض قيمه وجعله من “هو” نسخة عنه، وعدم الرضا بأن يكون مغايرًا، وإن خضع في رواية أخرى، سيكون أمرًا واقعيًا، لكنه غير منطقي، لأن المنطق أن يتبع عقله، والواقع أن يقوده ضغط الآخر إلى الاستسلام.. كم مرةً تخلينا؟ وكم مرةً جعلنا المنطق واقعًا؟

٣ أماكن ٣ قارات.. هل منحتها “ذبائح ملونة” حقها؟

يوليو ٢٠١٦

قال راجح بعد ليلة حب طويلة:

أتريدين كأسًا أخرى يا…

– حبّابة.. إسمي حبّابة.

– اعذريني ، لكن جمالك سرق منا بعض المراحل، وأحرقها.

ورواية “ذبائح ملونة” للكاتب اللبناني سليم اللوزي، التي جمعت بين هاتين الشخصيتين، أيضًا، أحرقت الكثير من المراحل، وربما نشوة الإصدار الأول هي ما سرقها، حين أعلنت عنها شركة المطبوعات للتوزيع والنشر نهاية عام 2012.

الحالة التي أصابتني أثناء قراءة الرواية، تشبه الركض فقط، الركض بلا جدوى، فالإيقاع السريع لصوغ الأحداث والقفزات الزمنية غير المبررة في أوجه مختلفة من هذه الـ 124 صفحة، أزعجتني.

رواية، إذا صحّت تسميتها كذلك، وسأقول لماذا لاحقًا، منزوعٌ منها خيط التشويق، لكنّي أنهيتها كي لا أحسم رأيي فيها باكرًا، وأعطيها حقها من الصّبر الذي أملكه.

لماذا أشكك في إطلاق لقب”رواية”؟ لأن كاتبها أغرق في الرأي والحوارات الخطابية أكثر من سرده لتفاصيل تدعم الفكرة العامة للرواية، التي كان يمكن العمل عليها بشكل أعمق، فهمي تحكي قصة شاب مغربي يكتب مذكراته في شقته داخل أحد أبراج مدينة نيويورك الأميركية، واختار تدوين المرحلة التي ذهب فيها إلى السودان للبحث عن شابة أحبها بعد ليلة ساخنة في أحد فنادق العاصمة الفرنسية باريس، وهذه الأماكن تحديدًا تدخل في صلب الآراء التي ساقها لنا: أميركا تشعل حروبًا لتنهب الثروات، وفرنسا العمالة المهاجرة وتجارة الرقيق، والسودان العالم الثالث الواقع تحت أقدام المذكورتين.

لم يعط الكاتب للمكان أحقيّته، وبدا لي أنه أراد التنويع وخلق حالة لا أكثر من هذا الانتقال والتسطيح.

 لقد أردت أن أعرف عن الطرقات والأماكن والشوارع والناس الذين قابلهم في السودان أكثر مما أراه في نشرات الأخبار، وانتظرت ذلك من “الرواية” لكنّي لم أجد أي شيء خاص أعوّل عليه.

أما اللغة نفسها، فلم أجد ما يميزها، حيث العديد من الأوصاف “الكليشيه” التي اعتدنا قراءتها وربما كتابتها في مراهقتنا الأدبية (الإنشائية) والتشبيهات الغزيرة أفسدت النص.

صوت الكاتب أعلى من صوت شخصياته وإحداثيات النص نفسه، لدرجة تشعر أنك تقرأ مقالات مترابطة أو مدونات أكثر مما تقرأ رواية.

عن الواقعية؟ نعم هي صوت واقعي بامتياز من حيث المحتوى الذي يعكس وربما يهجس عقول الناس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حول مكانتها من هذا العالم وسخطها على “العالم الأول” بين جديده وقديمه، كما تركيزه على القبل والمضاجعات المسروقة من وقت الحروب والتعب واللااستقرار الذي يضرب المنطقة. 

وفي رأيي، كان المشهد الأكثر تماسكًا من ناحية السرد الروائي هو قصف الطابق الثاني من المستشفى التي تطوّع فيها راجح، وعملت فيها حبيبته المغربية أيضًا، سلافة. 

وقفزة زمنية واحدة كانت مُبررة للكاتب، هي تلك اللحظة، التي تمدد فيها على سطح أحد بيوت “دارفور” إلى جانب سلافة، وما إن دخلا في مشهدٍ جنسي، حتى باغتهما اقتحام قوات سودانية مسلّحة، وفي أقل من دقيقة قراءة، قتلت رب البيت واغتصبت ابنتيه، مخلّفة وجوهًا مصدومة وقلوبًا مفجوعة، وهذا تعبير صارخ عمّا يحدث في الدول التي تضربها النزاعات المسلحة، فكل شيء يمكن أن يحدث وينتهي فجأة، وفي دقيقة قد تفقد جزءًا من عائلتك، أو كلها أيضًا، من يعلم؟!


أضف تعليق