
رام الله الشقراء.. أن تخلع النظارة قليلًا
ديسمبر ٢٠١٢
“أكثر كتابين ذائعي الصيت هذه الأيام بين الطلبة، الأسود يليق بك ورام الله الشقراء”، هذا ما قالته ابنة أختي التي تدرس بجامعة النجاح في نابلس، وربما أجزم بجرأة تسويق كتاب محلي في ذات الوقت الذي تصدر صاحبة أكثر الكتب مبيعًا على مستوى العالم العربي أحلام مستغانمي، “أسودهَا”، خاصةً أن “رام الله الشقراء” إصدار أول لكاتب شاب في مقتبل التجربة الروائية، لكنه في معترك العمل الصحافي منذ سنوات، يعرفه البعض باسم عبّاد يحيى، كما اختار لروايته، والآخر بعبّاد خالد.
يقول الكاتب خلال لقاء تلفزي (أيلول 2012) مع “فلسطين اليوم” التي استضافته لعضويته في فرقة “ساند” الذي يقيم فعاليات ثقافية “دون راعٍ أو داعم”: الرسالة واضحة وبسيطة لكل فلسطيني يعيش في الضفة الغربية ويتابع ما يجري منذ عدة سنوات في رام الله وفي كل مدن الضفة، هنالك ارتهان بشكل كامل لكل الأموال القادمة من الخارج عبر ممولين ومانحين وسفارات ووكالات تنمية غربية، والقادمة أيضًا من الشركات الخاصة الرأسمالية التي ترهن جميع نشاطها بربحها التجاري ومطامعها وأجنداتها الخاصة”.
وكأن السابق، رسالة “الشقراء” أيضًا، وكأن “ساند” ثورة على ما أرهق تفكيره حول كل ما يحدث في فلسطين، ورام الله النموذج الأكثر فجاجة.
لم يكتب يحيى، كأي توقع، بعضًا من سيرته الذاتية على غلاف الرواية، سواء من الداخل أو الخارج، ربما ترك للقارئ تحرّي تفاصيل سيرته بين طيّات رسائله، أو ترك للحلم أن يفرد ذراعيه بلفت القارئ للكتاب، من أجل المحتوى أكثر مما يشدّ الاسم، وفي تأويل ما، قد يختبر معرفة الناس به، سواء ممن استمعوه عبر إذاعة “أجيال” المحلية، وقرائه من متابعي صحيفة “الأخبار” اللبنانية، التي ينشر عبرها مواده الصحافية في الشأن الثقافي الفلسطيني.
“رام الله الشقراء” هذا الاسم المثير، بغلاف أكثر إثارة، حيث ينفلت شعر امرأة، ممزوج الألوان بين الأشقر والأحمر والبني، على أرضية شارع أو بلاط منزل، في تأويل ثانٍ، بألوان فاترة تشدّ بغموضها الفضول لقلب الصفحة الأولى.
صدرت “الشقراء” عن دار الفيل، تحت مسمّى “رواية”، وأضعه بين مزدوجين، لأنه تسبب بجدل في بعض النقاشات حول إذا ما تستحق هذا المُعطى، ولأنني قرأت جزءًا منها في الملحق الثقافي لصحيفة “الأيام” الفلسطينية، حكمت بدوري أنها مجموعة نصوص، أو خواطر، لكن ليست رواية!
بعد الانتهاء من التفاصيل الشاقة –فكريًا- في لغة الرسائل المتبادلة، بين الكاتب وصديقة ما، (محور الكتاب) أدّعي أنها تؤسس لمرحلة جديدة في الرواية الفلسطينية، عنوانها التمرّد بشكل لافت على سيطرة المفاهيم الأدبية السائدة حول الشكل الفني للقصة أو الرواية، في ذات الوقت لم تخرج عن السياق الذي يمنح الرواية اسمها، من الشخوص والحبكة واشتداد الأزمة وربما انفراجها وربما انفتاحها على كل الاحتمالات.
“رام الله الشقراء” أشبه بتفاحة نيوتن، التي شاهدها الجميع تسقط، ولم يحاول فك لغزها سوى نيوتن، ويحيى قام بهذا الدور، في تفكيك الظواهر المجتمعية التي ألمت بالفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو، ورصد التغيرات مذ حينه حتى الآن، عبر سوقه أمثلة من الحياة اليومية ونماذج لشخوص وأماكن تفشت فيها تداعيات المرحلة.
كم منّا قال الكثير مما يشبه انطباعات ورؤى وتخوفات وهذيان، وفي أحايين كثيرة هواجس المتراسلين في الرواية، كم منّا دوّن ملاحظاته في نص قصير بطابع أدبي أو صحافي أو عبر “استيتس” أو “تغريدة” في مواقع التواصل الاجتماعي التي يرتادها يوميًا؟! في “الشقراء” يجمعها يحيى، يدوزنها، ويشد أوتار القلق، ويبثها كالبهجة لنا، لكنها بهجة مفرطة، إذ تودي إلى بكاء ليس له رادع، بسبب كل النتوءات والتشوهات التي ضاقت بها رؤية الفلسطيني لمستقبله أو مستقبل البلاد.
وبكل واقعية وتحرر، يصوغ يحيى ذاته في بث مكنوناته التي كانت –حسبما تشي عباراته الأولى- في أرشيف مراسلات “فيسبوكية”، بلغة متقنة، وتعابير فريدة، واهتمام بسرد المشاهد على أدقها، دون أن ينحدر أي تفصيل نحو اللاقيمة، فكلها تجهزت لخدمة تعرية الواقع، دون الاختباء في صفوف الرمزية الأولى، وبلادة الرومانسية، إنه أسلوب الصحافي حين يؤشر على الجرح ليقول لك “تحرك” في قالب أدبي مثير.
وتستمر واقعية يحيى حول الأحداث، ومثالية توصيفه لأفكاره وأفكار الصديقة أمام الأمراض التي تفتك بالمجتمع، حتى تسيطر الواقعية عليهما أواخر صفحات الرواية، حين يقع في ذات “الشرك” الذي يحذر منه صديقته طيلة الوقت، ويحذرنا، ويبرر تلك الدهشة أمام “الشقراء” بأنها مادة عظيمة للكتابة، حتى تتضح ببساطتها انبهار الشرق بالغرب، وغيرة الشرقية بالمقابل في آخر سطور، وإذعانها بعشق رام الله مهما حدث فيها من كل توصيف جاء قبل الأخيرة من صفحات “الشقراء”.
وفي تبسيط للعلاقة الشرقية بين رجل وامرأة، تقول الصفحات الأخيرة بصوت منخفض “الرجل يتوقف متى يشاء عن الكلام والمرأة تنتظر الرد”.
“رام الله الشقراء” تنبئ بفتح الباب للشباب المترددين أو ربما المتخوفين من إبراز أدبهم، أو فلنقل أعمالهم الأدبية، ربما ظنًا منهم أنها لا تستحق، لكن ببعض التعب والانشغال بتهذيب التفاصيل، قد تخرجُ برواية أو ديوان، وربما مجموعة قصصية.
هاتف عمومي.. قراءة مثقلة بالأمنيات
يونيو ٢٠١٦
في بداية صفحات هذه الرواية، تمنيت لو تحولّها مذيعة جيدة وتملك صوتاً جميلاً، إلى برنامج إذاعي، تماما كما تتحول بعض الروايات إلى أفلام، وكلما اتجهتُ في القراءة إلى منتصفه، تتوطد الفكرة، وترتسم بأن تقتبس تلك المذيعة جميع الحلقات الواردة فيه، وذات المواضيع، ثم تضيف حلقات جديدة بناء على فكر الشخصية في الرواية “هيفاء”. أما النهاية.. أحبطتني!
في قراءة رواية “هاتف عمومي” للروائي الفلسطيني عبّاد يحيى، لم أستطع التخلّص من سطوة المكان الذي أعرفه وعشت فيه ثلاثة أعوام ونصف متفرقات: رام الله.
تمنيت لو لم أكن فلسطينية، كي أتحرر من التأويلات، تأويل “راديو أجيال” وتأويل “البنك العربي” والثالث للمكان الذي قضيت فيه أسوأ أيام حياتي “رام الله التحتا”. كانت قراءتها اختباراً لسيطرتي على إسقاطاتي الشخصية، ولكني لم أتحكم بها كثيراً.
أما هيفاء، فقد أحببتها، وتمنيتُ أكثر لو تكون صديقتي، لو أنها امرأة حقيقية، تنشل مسامعنا من الغباء الذي يُسيطر على الأثير الفلسطيني، وفي ذات الوقت لم أتمنّ ذلك، لأن الأحداث التي صاغت شخصيتها كانت حافلة بالأسى والمواقف المريرة.
فيما عبّاس، أصبح بلا شك أيقونة اللعنة على التكنولوجيا بالنسبة لي، كلمّا دخلتُ بنكاً، وليس البنوك فحسب؛ إذا مثل لي العمّال والموظفين الكثيرين الذين أقصتهم التكنولوجيا لـ”توفير الوقت والجهد” وتركتهم بلا مصدر رزق ليتدبروا أمرهم وحياتهم والقادمة، وحدهم، ونحن لا نعرف هؤلاء العاملين بالضرورة، أساسًا لم أفكر يومًا أن الآلة التي تلفظ الأوراق لترتيب الدور في البنوك، احتلت مكان إنسان، كانت هذه أعظم مهام حياته!
الكشف عن شخصية الراوي كان بالنسبة لي مفاجأة، ربما لأنني لم أعتد قراءة روايات بقلم ذكر تُحكى على لسان أنثى، والعكس صحيح. لكنّي كنت أتمنى أن أقرأ علاقة الراوية (الصديقة الجديدة لهيفاء) بهيفاء نفسها، أكثر من تلك المقتضبة التي بدت كأنها مجاملة الكاتب لنا، في الأوراق الأخيرة من الرواية.
العرض المتوازي لحكايتي عبّاس وهيفاء، كان فذاً، تتدرج فيه الأحداث وتصعد تباعًا حتى تلتقي الشخصيتين في النهاية، بمشهد عبقري (احتفال البنك منذ البداية حتى النهاية)، ارتسم في ذهني وتحركت شخوصه في رأسي وخيالي بحذافير الوصف الذي اختاره الكاتب، ووصل ذروته في التشويق الروائي داخل “هاتف عمومي”.
الرائع في فكرة “عباس وهيفاء” أن الكاتب يرسم لنا حياتين لشخصين يعملان في نفس المكان، ويخوضان صراعات مختلفة مع ذاتيهما والحياة والمجتمع، ولا يلتقيان في أي من صفحات الرواية، بمعنى أن كلاً منهما يعيش بمعزل عن الآخر دون أن يعلم أحدهما أن القدَر يخطط للقاء أخير بينهما.. هي فلسفة حياتية تتكرر يوميًا وتثير تساؤلاتنا أحيانًا، ولو أردنا روايات مبنية على نفس المبدأ، سنجد حياتنا عامرة بها. أنا شخصيًا حدثت معي قصص مشابهة، كنت أتذكر أنا وأصدقاء نقاطا متشابهة مشيناها سويا دون أن نلتقي، حتى جمعتنا الحياة في لحظة لا يمكن نسيانها، كما لا يُمكن غُفرانها، حين تتحول القصة لزلّة من زلّات القدَر بحقنا!
أما المُحبط في فكرة “هيفاء وعباس” بالنسبة لي، أن ما تحقق في نهايتها كان متوقعاً منذ الصفحات العشر الأولى: رجل وامرأة وحيدان يعملان في مكان واحد. ليس مهمًا ما الظروف التي جعلت منهما “ثنائيًا” في آخر المطاف، لكن الأمر سيغدو أكثر دهشة لو لم تشد هيفاء على يدي عباس وتطلب منه الزواج، ويوافق هو متعبا منتكسا خائباً. ربما لأنني من محبّي النهايات غير المتوقعة.
لغة الكاتب مذهلة، وفي العبارات التي صاغها على طول مجرى الرواية، فلسفة وآراء مثيرة، وأفكار تحرّك العقل، لهذا لا يمكنك تفويتُ صفحة من صفحات الرواية دون تركيز، لأنك بحاجة لأن تقرأ هذه العبارات.
في نفس الوقت، تدخلات الكاتب (لسان الراوية) كثيرة، ومزعجة أحيانًا، إذ بدا مسيطرا على شخوصه بدرجة كبيرة، ولم يستطع أي منهم الإفلات من أحكامه، وحبي لشخصية هيفاء (60%) منه بسبب الراوية، بسبب وصفها وانحيازها المطلق لها، لا أدري، لكني أميل أكثر لأن تسوقني الأحداث للتأثر بشخص ما في رواية، أكثر من أن يجرّني الكاتب لهذا التأثر.
أما المهم في هذه الرواية، أن تأثري كان على نحو إيجابي، إذ علّمتني هيفاء، أن تكرار الأمور يوميًا لا يعني “الملل” بالضرورة، بمعنى أن نمل ونصبح مملين في الوقت ذاته. ويوميًا في عملي الجديد، كلما كتبت عبارة تقليدية في الترويج لأحد التقارير والقصص الصحافية عبر “السوشال ميديا” أتذكرّ هيفاء، وأمحو العبارة، لأنني أؤمن بأنني أستطيع ابتكار أخرى جديدة وجاذبة في آن.
“القسم ١٤”.. نتحدث عن دعارة بقرار عسكري
يونيو ٢٠١٦
من أين أبدأ الكتابة؟ من لحظة توقّع انتحار العقيد “إيّاه” حيث تجمّد الدم في عروقي، ثم هدأ طوفان ما حين رأيته جالسا يشرب القهوة في المطار “إيّاه” متجهًا إلى أثينا؟
أم من جهادي في منع دموعي التي أرهقها الحوار المفصلي في الرواية، بين العقيد والمقدّم، بين الصفحات 132 و135؟ وبالمناسبة، كان جهادًا فاشلًا..
توجّسٌ أوّل
منذ أول صفحة في الرواية، وضعتُ يدي على قلبي، إذ رأيتني أمام فكرة أشبه بتحقيق صحافي قد يُدمّر أكثر مما يُشيّد، وقد يقتل أحلام وآمال آلاف المواطنين في الدول التي تتعاون قواها الأمنية المحلية مع قوى دول كُبرى من أجل تحسين الأداء، وبلغة السياسة والاقتصاد: دول العالم الثالث مع العالم الأول.. وما أكثرها، بل ونحن أولّها، أعني: فلسطين.
رواية تخلو من الأسماء سوى الألقاب والرتب العسكرية والأرقام.. تخلو من تحديد الأماكن، سوى الانعزال والمطلات الصحراوية والمباني مكررة الأجزاء.. لذا هي صالحة لكل التأويلات، وللأبعاد المحلية والإقليمية والدولية.
ليتها تتحوّل إلى فيلم سينمائي.
توجُسٌ ثانٍ
أتخيّل جميع الآباء والأمهات والزوجات والحبيبات والإخوة والأخوات، الفخورين بأقرانهم/ن من الشبّان الذين سافروا إلى دول عديدة أنتم تعرفونها بالاسم، من أجل تدريبات عسكرية على مستوىً عالٍ، على أيادي ضُبّاط خاضوا حروبًا عالمية، يُلخصّون تجاربهم في أجساد هؤلاء “النسخ المتوالية بلا ملامح، والرؤوس الحليقة وأكوام العضلات البارزة”، من أجل أن يعودوا إلى البلاد، معززّين بهراواتهم وقنابل الغاز المسيّل للدموع، الذي لا أنسى صدمتي به حين اتخذ طابعًا فلسطينيًا، لمنع تقدّم مظاهرة متوجهة إلى مستوطنة “بيت إيل” قرب رام الله.
أتخيلهم جميعًا، لماذا؟ الإجابة في سؤال: “ماذا لو كان كل هؤلاء يقيمون في الخارج داخل أقسام مشابهة للقسم 14 ويمتثلون لأوامر المتعة والتفريغ الجنسي الذي لا بد منه بقرار عسكري؟”
هل أصبح أكثر فجاجة إذا قلت: “ماذا لو كان القسم 14 مقامًا في إحدى المدن الفلسطينية، على سبيل المثال، أريحا؟!”
ببساطة وبكل ما يحمل المعنى من تعقيد ومفارقات مؤلمة، تتحدّث الرواية عن إدارة عقيدٍ لمعسكر لا يختلف عن أي معسكر آخر سوى بوجود قسم أطلق عليه اسم “القسم 14” وهو من أجل الترفيه النفسي والصحي والجنسي للعساكر، إذ يتم جلبُ “عاملات جنس” من أعراق وألوان وأشكال مختلفة، لاحتواء الطاقات الجنسية التي يحتاجها العساكر في فترات طويلة يقضونها في هذا المكان، وذلك من أجل أن يكونوا دومًا جاهزين وقادرين على تعلم المزيد والإقبال على التدريبات دون إحباطات بسبب تراكم الكبت، الذي قد يتحوّل إلى نزاعات عنيفة بينهم، أو حالات تمرّد على القوانين، وفق ما ورد في الرواية.
والتوجّس الأول والثاني قد لا يعنيان شيئًا، سوى أن الرواية تفتح نافذة في العقل للنظر إلى الأحداث بشكل خارج عن المألوف.
بعيدًا عن التأويل
أتت قراءة تفاصيل “القسم 14” بعد انتظارٍ مُطوّل منذ ذكرها يحيى على الهامش في منشور “فيسبوك” قبل إطلاقها، قال فيه إنه يكتب قصة عقيد مهووس بكاميرات المراقبة، بالتزامن مع نشر فضيحة أحد مدراء الأقسام في مؤسسة حكومية محلية، حيث كان يتلصّص على “مراحيض النساء” عبر كاميرات مراقبة، كما شدّتني المفارقة في غلاف الرواية، التي تجمع بين حذاء عسكري متسخ ويبدو أن دمًا يعلو مقدّمته، وحذاء نسائي أحمر بكعب عالٍ.
وبالمناسبة، أنا قرأت نسخة مقلدّة للرواية وليست أصلية، إذ تم إطلاق الرواية خارج البلاد، تحديدًا عبر المركز الثقافي العربي، في المغرب ولبنان، وربما هذا كان سببًا في نُدرة الحديث عنها من قبل كتاب أو نُقّاد فلسطينيين، لا أعلم، لكني شخصيًا شعرت أنها لم تأخذ حقها من الحديث مثل “رام الله الشقراء” و”هاتف عمومي”، ولا شك أن يحيى قدّم فكرة مختلفة في كل واحدة، ولكل منها بريقها الخاص، وجميعها تنبئ بما هو أكثر بريقًا في مستقبل هذا الكاتب العشريني.
أسلوب البناء الروائي في “القسم 14” محترف، ولم يعكره شيء، ولا حتى تكرار فعل “كان” بشكل لم أفهم أهو مقصود أم نتيجة غياب مراجعة أخيرة للصفحات (28-30).
الشخصيات كانت متحررة من الكاتب، أو بالأحرى كان يُمسكها بخيط ذكي، لا نشعر به، كما أنه لا يُرهقها بمُداخلاته أو تحليلاته، فهي تعرض نفسها بنفسها، وتتفاعل مع الأحداث والقارئ -على الأقل أنا- بمنطق أليف وتشابكي.
والنهاية –كفكرة- كانت حاسمة بقدر ما هي مفتوحة، وكتبت بطريقة تخفف الارتباك بقدر ما تثير التساؤلات، ومن يصبر بعد قراءة الإهداء “إلى أسباب أربع ساعات في المطار إيّاه” سيشعر بمتعة فك سحر هذه العبارة في الصفحة “157”.
أما الحوارات والهواجس الذاتية وحبكة الكوابيس التي كانت تتقاطع ويقظة العقيد، فمكتوبة بشكل أخّاذ، وإنساني عميق، ولم تنته أيٌ منها بقرار حاسم من العقيد، حتى كان الحوار الذي شكّل نقطة التحوّل الكبيرة في الرواية، وهو الذي جرى في الصفحات (132-135)، بينه والمقدّم الذي لفظ كل ما لم يكن في حُسبان الكاميرات الـ 32 التي تجمدّ العقيد أمامها ساعات طويلة بين سكران وشارد ونوستالجي ومصدوم بذاته ومعززٍ لها ببعض الشعارات التي لم تستطع تسوية علاقته بضميره وتاريخه العسكري في لحظة بذيئة كتلك.
أفلام عديدة تذكرتها أثناء قراءتي للرواية، بين مصر وفيتنام واليابان، تتقاطع في بعض النقاط معها، خاصة في ما يتعلّق بفكرة التفريغ الجنسي كمهمة لا بد منها وعمل أكثر منه علاقة، إضافة إلى صبغه بقشرة “وطنية” كي يتحلل المترددون فيه من أعبائهم الأخلاقية والدينية والعضوية التي قد تمنعهم من أداء “الواجب”.
وبالنسبة للأسباب، طرحت الرواية على لسان العقيد، فكرة التحلل منها عبر ما أسماه “السلطة الدينية” التي قد تأتي بسهولة وتصدر فتاوى للعساكر على مقاس الأوامر التي يتلقونها، وهو ما يؤشر على العلاقة الرمزية والقوية التي يستغل عبرها السياسيون الناطقين باسم الدين في بلادنا من أجل تليين الأنفس وإذلالها.
جريمة في رام الله.. عن عُنصر الأخبار أكثر
يونيو ٢٠١٧
أحدها قد يلفت سمعك، بصرك، أو ذهنك، ما يعني بالضرورة أن أياً منها لن يحظى بأي اهتمام منك، رغم أنه قد يكون مرتبطًا بشكل جذري ولكن غير مباشر، في قصتك اليومية، أما الحَبكة القدرية، فهي أن تصبح جزءا من القصة أو محورها الأساس، حينها يصبح للأخبار قيمة مضاعفة.
وهذه المعاني تدرجت رويداً رويداً في رواية “جريمة في رام الله”، للكاتب والروائي الفلسطيني عباد يحيى، الذي جعل من رام الله وللمرة الثالثة مكانًا تمشي فيه شخصياته الافتراضية- الواقعية في زمن ما زلنا نعيشه، وإذا كانت الروايات والشخصيات مختلفة تماما عن بعضها وتأتي في سياقات سردية متنوعة، إلا أن شيئا مشتركًا قد يجمع بينها، هو التعرية.
المقدمات الخبرية في كل جزء من الرواية مُدخلة ذكية وحقيقية جدًا، خصوصا أنها مرتبطة بشأننا اليومي كفلسطينيين، وكانت في الغالب مرتبطة في سياقاتها، أحيانًا بشكل مباشر (سلام فياض والتنمية- بدء التوقيت الصيفي- أم أسير)، وأخرى في قالب المجاز والتأويل (تطوير بطارية- طفل سعودي بقلب أيمن وكبد أيسر)، وبعضها كان في غير سياقه، لكنه مقدمة لسياق سنقرأه في الصفحات اللاحقة (نادي الأسير- محاولات الانتحار- فرنسا وساركوزي- فرنسا تقتل)، ولم أفكر حيال “وقفة جادة ضد قتل النساء”سوى أنه كوميديا سوداء.
ولو قمنا بسحب هذا العنصر في الرواية من جميع مواضعه، سنخرج بجريدة فلسطينية مكتملة الأقسام (وفق النمط السائد): محليات- عربي ودولي- إسرائيليات- منوعات- مقالات- رياضة- فن وثقافة، لكن أيًا منها لم يخبرنا سوى القشور، وكان اللباب متروكا للتفاصيل التي ينقلها لنا الراوي خلال “جريمة في رام الله”.
ولاحظت أن أي خبر لم يُذكر إلا عبر الراوي الذي يرفقنا معه في ترتيب الأحداث زمنيًا حتى التقاء جميع الشخصيات في زمن خبر واحد، هو مقتل ربا، لكن هذه الأخبار لم ترد أو لم تدخل حياة أي شخصية إلا وسام حين تصفح متابعات الشرطة.
وكانت الأخبار من مصادر متنوعة على المستووين: المكاني (محلي/دولي) والنوعي (إعلام تقليدي/ إعلام جديد).
وعنصر إدخال تصريح من صفحة رسمية على الفيسبوك، عكس مرحلة من الصحافة ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية، وجاءت في الرواية معاصرة لتاريخها وفق التسلسل الزمني للأحداث.
وكانت جميعها أخبارًا باستثناء نص واحد هو سؤال من مقال (موقع الفجر الإخباري) الذي لم أجده حين بحثت عنه في Google، مثلما بحثت عن أخبار أخرى بعضها وجدته، وبعضها الآخر لم أجده. ويمكن أن يعود ذلك لطريقة البحث أو لإعادة الصياغة في الاقتباسات حسبما وردت في الرواية.
ورغم النزعة الذاتية والفردية العالية في ظروف الشخصيات التي أخذتها بمنأى عن العالم، سواء عبر العزلة والبحث عن الحياة المستقلة البعيدة عن العائلة وحتى الأصدقاء، أو عبر اللجوء إلى العمل في البار الذي يتم فيه التواصل مع شخصيات قررت الابتعاد عن ضوضاء ورقابة وأحكام المجتمع الجاهزة أساسًا، إلا أن الأخبار ظلت تلاحقهم ويركلونها بأقدامهم وتلاحقهم حتى يصبحوا هم أبطالها الحقيقيين. أو ليس هذا ما نفعله يوميًا حقيقة أو مجازا؟
والأخبار هي التخلي عن اللعب في الحياة كهامش، أو أن يصبح الهامش ضحية في سلسلة ضحايا لا سبيل لتقليل عددهم فيها.
أفكار ومشاعر
الرواية مكتوبة بعناية كبيرة وبتسلسل سردي شيق، والشخصيات أخذت المساحة التي تستحقها وتتناسب شعوريا مع قضاياها، وعبرت عن نفسها بنفسها ضمن لغة محكمة جميلة ولافتة في كثير من المواضع.
بكيت على وسام كثيرًا..
رؤوف استغرب اعتقال صلاح في البداية والتهم التي سيقت في حقه رغم حياته العادية واهتماماته الجنسية، هل كان يعلم بما يخبئ له القدَر؟
نور أو صهيب كان اللسان السليط على حماس والأجهزة الأمنية التي اعتقلته.
أحيانا نخسر جزءا من حياتنا من أجل لا شيء لأن أوهامنا زينت لنا أنه كل شيء. (رؤوف ودنيا)
حين يرفضك مجتمعك أو تشعر أنك مرفوض فيه، سيكون من السهل جدًا استغلالك وأنت بكامل رضاك من قبل شخص غريب عنه قد تكون بالنسبة له مجرد مادة مربحة. (نور وآرنو)
كيف يستطيع خبر واحد أن يقلب حياة كل هؤلاء! يا إلهي!
الصفحات التي خصصت لحديث الطبيب النفسي مثلت لي استراحة وهدوءا نسبياً بعد كل الصفحات المملوءة بالتعب والحزن والألم.
أضف تعليق