
النهايات غير الكاملة تجلب عادة رحلة تشافٍ طويلة… هذا ما أخبرتني به التجربة.
والخروج من أبواب “الحرة” طالما حمل معه نهايات صعبة، ولحظات قاسية.
لذلك، قررت أن أصنع شكل يومي الأخير كما أحب: مظهر خلّاب، وعمل مخلص يشبه سيرتي.
وتركت الباقي لطاقة ذلك اليوم الربيعي: الثلاثاء، ٨ نيسان.
لم أكن أعرف ماذا سأرتدي، ثم قررت ملابس عيد الفطر الأخير قبل وفاة أمي.
كانت العباءة هدية من أختي هدى، تحتها فستان الحرير الأسود، الأحبّ إلى جسدي لخفته ونعومته.
جففت شعري دون أن أصففه… أردته بريًا.
ترددت: هل أضع الكحل الأزرق؟ لمَ لا؟
تذكّرت زميلتي السابقة مي أبو عصب، فقد أثنت على هذا اللون مرة في عينيّ خلال عملي معها في رام الله.
قالت حينها: “وجهك ربيعي”.
ألقيت نظرتي الأخيرة في المرآة… وابتسمت لأمي.
عند نهاية الدرج، وقفت هيباتيا، نظرت إليّ بسعادة وقالت: “مامي، يو لوك لايك أ برينسيس”.
عانقتها وقبّلتها.
أقلّني سامر وهيباتيا إلى المكتب.
“فلنشترِ القهوة”، قلت. لا بأس لو تأخّرت عشر دقائق أخرى.
في هذا اليوم، لم أفتح الباب الخلفي لتقبيل هيباتيا كالمعتاد، ودّعتها من خلف النافذة.
كانت الرياح قوية، والجو بارد.
كانت آخر “غوود مورنينغ” للأمن… وآخر “صباح الخير شباب” لمحمود وصلاح.
أرسلت المقترحات، عملت على بعضها من أخبار، وبعضها قام به الزملاء، واشتغلت على التقرير الرئيسي حول المفاوضات الإيرانية-الأميركية.
أخذت استراحتي، التقطت بعض صور الوداع — هذه إحداها- عرّضتُ وجهي لشمس الصباح عبر الواجهة الزجاجية لغرفة الطعام.
وفي طريقي إلى هناك، التقيت بصديقة العمل رانيا، بوجهها البشوش وتحيتها المميزة.
مدحت مظهري وسألتني: “من أين هذه (العباية)؟”
قلت: “فلسطين”.
ثم رأيت الشجرة الصغيرة الوحيدة المزهرة خارج أبواب المؤسسة…
ما أجملها.
تذكّرت أول يوم لي في العمل، كان ١٨ نيسان — الدنيا ربيع ومزهرة.
قبلها بيوم، في ٢٠١٦، كان مهرجان تفتح زهور الكرز في العاصمة واشنطن.
أخذني إليه أصدقاء.
اليوم… كأن كل شيء يعود!
خلال العمل، شعرت بإرهاق مفاجئ.
أنهيت التقرير بطلوع الروح… لكنه انتهى.
لم يُطلب مني شيء آخر، لكن العودة إلى المنزل صارت باكرة، وسامر كان يُعدّ لنا الطعام.
قلت: “لا تأتِ، سأطلب أوبر”.
ودّعت مدير التحرير كريم على أنه اليوم الأخير “احتياطًا”… وكذلك الأمن.
وعند الباب، التقيت سِميرة، زميلتي العراقية من التلفزيون، التي سجلت بصوتها الفخم مرة فيلمًا وثائقيًا كتبتُه وأخرجته عن نساء انتفاضة تشرين.
كانت ترتدي عقد فراشات جميلًا. قالت إنه “من كردستان”.
تذكّرتُ فراشات الشمال. فأنا من جنين؛ بلد الفراشات.
كانت نافذة المقعد الأمامي في سيارة “أوبر” مفتوحة رغم برودة الطقس، لكني لم أطلب إغلاقها.
استشعرت جمال مظاهر الربيع والنسمات الباردة طيلة الطريق إلى البيت.
وقبل الوصول بقليل، تنبّهت لأغنية لم أسمعها منذ زمن طويل.
قلت وقلبي يقفز سعادة: “يا إلهي… لقد كانت المفضلة لي في ما مضى”.
ابتسم صاحب المركبة.
وتمتمت مع الكلمات، مستشعرة حلاوة التوقيت.
”Who knows where this road is supposed to lead?
We got nothing but time
As long as you’re right here next to me
Everything’s gonna be alright”
** كتبت: ١٣ نيسان/أبريل، ٢٠٢٥
أضف تعليق