رحمة حجة

سرتُ عشرات الأميال فتعلقت بالأرض وكل ما هو طبيعي. سافرت آلاف الأميال فأبهرتني المتشابهات بيننا أكثر من المختلفات. صرتُ أمًا فازددتُ إيمانًا بجدوى الخيال. رويت قصص الناس وآن أوان قصّتي.

نيويورك وغروب “٩١”

بواسطة

بوصة

استيقظ أستاذي صالح عبد الجواد حينها باكرًا جدًا قبل الجميع، وكنت مستيقظة أيضًا بعد أول ليلة تخييم في حياتي (٢٠١٤).
اتجه إلى نقطة محددة فذهبت معه، لنشهد شروق الشمس من أحد جبال رام الله.
لم أعش تجربة مشابهة، أي أن يكون الشروق هدفًا ثم أشهده كاملًا بصمت وتأمّل.
وفي أميركا غدا جزءا أساسيًا في سفري داخلها وخارجها، أبحث عن أحسن النقاط لرؤيته أو الغروب٫ فأقصدها.
وفي مسارات الهايكينغ صعدتُ ورفيقة الجبال الفييتناميّة صوفي أعلى النقاط في غابات شانندواه لنراه.
كانت الطرق إليه ظلامًا دامسًا لولا بياض الثلوج الذي يمنح القليل من النور.
وحين تزوجت، ظلّت مراقبة الشروق والغروب طقسًا نؤديه أنا وسامر في صباحات أليكساندريا ومساءات واشنطن العاصمة أو سان دييغو في كاليفورنيا أو كنكون في المكسيك وغيرها.
أتذكر صديقتي الدنماركية شاميلا حين زارتني وأنا متدربة أسكن قرب فندق الريتنو (2011).
وقفَت في منتصف الطلعة للشارع الرئيس كي تتأمل الغروب، استغربت حينها، فقالت إنه ساحر جدًا في فلسطين وهي محظوظة لرؤيته مقارنة بالبلاد التي تسكنها.
ابتسمت ساخرة٫ فقالت “يومًا ما ستعرفين قيمته”
وهو ما حدث فعلًا.
كان الشروق والغروب أحيانًا قشتنا نحن الغرقى في ساعات الملل عند الحواجز الإسرائيلية التي تقطع طريقنا من جنين إلى رام الله ونابلس٫ أو العكس.
أتأمل الواحد منهما وفيروز أو أم كلثوم تغني عبر الإذاعة٫ فألجأ لعالم مواز.
حين زرت عرابة مع عائلتي شاهدنا الغروب في أرض الزيتون “المخبّات” وشهدنا الشروق في الطريق إلى القدس.
كانت لحظات مكثفة بالمشاعر والصور وطبقات من الذاكرة والناس والحكايات التي صاغتني في فلسطين، وغمرتني بالحب والطمأنينة وأنا أحمل هيباتيا بين ذراعّي.
في ناطحة سحاب بمدينة نيويورك٫ عشتُ التجربة.
كانت مراقبة الغروب هناك لحظة استثنائية ومسروقة من صوت كليكات الكاميرات ودوشة الناس الذين يملأون قاعة مصنوعة من الزجاج الشفاف والمرايا.
كانت استراحتي وخلوتي بنفسي أيضًا وعدم اللّهاث وراء “السيلفي المثالي”.
تذكرت كتاب “الانبهار” الذي قرأته نوفمبر الماضي، واستعدت نصيحة داتشر كيلتنر.
حواسّي كلها نحوه، أتمعن التفاصيل المحيطة به، وأشعر بالمدى يتسع خارج حدود نيويورك.
تناوبت الظلال الأرجوانية على الواجهات الزجاجية لمبنى “Summit One Vanderbilt”٫ وفي مياه نهر هادسون والشمس تهبط على مهل بين الغيوم حتى تصير خيطًا بالغ الحُمرة يحدّ أسفل الغيمات.
رأيت غيمًا يتبخّر صاعدًا لسماء أخرى.
شعرت بالرهبة، حتى دمعت عيناي.
وخلال دقائق بدأت أضواء المساكن والمتاجر ولوحات الإعلانات وأعمدة الإنارة وأضواء المركبات في الشارع تظهر بقوة، وتحولت نيويورك لمدينة الأضواء والإثارة.
وهي الصورة التي رسمت في أذهاننا عبر كتب اللغة العربية وحكايات أبناء المهجر.
ثم صارت “نيويورك” هي “المدينة”٫ حين قال أستاذي وليد الشرفا إن “لدينا” التباسًا٫ فليست كل المدن مدنًا بالفعل.
وفي أدب المسلسلات العربية وبعض الروايات الأميركية، كانت المدينة “مفسدة” خصوصًا للنساء.
ذلك أن أضواءها “تعمي” بصائر وأبصار أهل القرى والضواحي حتى “ينسوا أصلهم”٫ ويبدأ التيه في “فقاعة من الوهم”.
قبل سنوات تحدثت مع بائع لؤلؤ مصري٫ قال “يخبرونك أنك تصبح من أهلها حين تتوقف عن المشي وعنقك متعلقة بالسماء.. أعيش منذ ٢٠ عامًا وما زال بصري فوق”.
ربما المدينة إذًا التي تسحرنا كلما زرناها ونظرنا إليها كأنها المرة الأولى.
الصورة: ١١ يناير ٢٠٢٦


أضف تعليق