
American Horror story (Seasons 1,5)
شاهدت الجزء الأول والثاني من مسلسل “قصة رعب أميركية”. هو توليفة من الفلسفة والخوف والجنون والقليل من كوميديا الموقف، وأكثر من هذا التكرار الذي ينزع منه فكرة الرعب، ما جعل مشاهدته سهلة بالنسبة لفكرة الخوف، لكنه مكثف بالمشاعر والحوارات الذكية والجديدة بالنسبة لي في مجال الأشباح ومصّاصي الدماء.
الجزء الأول
يحكي قصّة عائلة (أب وأم وابنة) ينتقلون لبيت جديد في محاولة إصلاح شرخ بين الوالدين بعد خيانة الزوج، وانتظار الرضا من زوجته، ولكنهم لا يعرفون أن البيت مسكون بأرواح الأشخاص الذين قتلوا داخل هذا المنزل، وفي كل حلقة وما يليها تظهر وجوه جديدة من هؤلاء القتلى، لكن بصورة طبيعية بحيث لا يعلمون أنهم يتكلمون مع أشباح، أما الشخص الوحيد على قيد الحياة فهو جارتهم وابنتها التي تعاني متلازمة “داون سيندروم”، هذه الجارة هي الممثلة جيسيكا لينج، على يسار الصورة أعلاه، وهي الشخصية الأكثر تعقيدًا في القصّة، ممزوجة بقصص كل الذين رحلوا، وبما يمكن أن يحدث، وضع الكاتب على لسانها أفضل العبارات التوصيفية لما يحدث في بيئة هذا المسلسل، لتكون حكيمة هذا الموسم. أداء مذهل، ومن الممتع مشاهدته.
من المشاهد الأكثر حديّة وصعوبة في المسلسل، حين تموت ابنة الجارة في وين الهالوين، بكاء الأم هنا فظيع ولا يتقاطع بسهولة مع مشاهد التعذيب النفسي لابنتها حين كانت تحبسها في غرفة مليئة بالمرايا، ومشهد آخر حين تهز ابنة العائلة الجديدة أباها وتحاول أن تعيده لوعيه إذ عاني طوال الحلقات من الهواجس والأوهام واللامبالاة المفرطة، تقول له “ألم تلاحظ؟ كيف لم تلحظ موتي؟ أنا لا آكل ولا أشرب ولا أستطيع الخروج من البيت للمدرسة منذ ثلاثة أسابيع وما زلت لا تُدرك ذلك؟!”
فكرة أن يكون البيت “مصيدة” للأرواح، بحيث أي شخص يموت فيه يحيا إلى الأبد فيه شبحًا، هي نفسها التي تتكرر في الجزء الخامس مع اختلافات عدة في السياق، وفي حين كان الأشباح يحاولون قتل كل ساكن جديد للمنزل، تكون النهاية بأن العائلة الأخيرة تلعب دور المنقذ، لتغيير واقعه.
الجزء الخامس
المكان هذه المرة هو فندق بني في العشرينيات من القرن الماضي، من قبل ثري سفّاح، صممه بطريقة لا يستطيع فيها النزلاء الهرب من أدوات قتله وتعذيبه وتمثيله بجثثهم، كما خصص مكانًا للتخلّص من أشلائهم، والمدهش في هذا الجزء كيف أن الشخصيات الرئيسة تشعرها بطلة القصة، فكل شخصية مشغول على قصتها بإتقان بالغ أذكرهم (صاحب الفندق، المحقق الجنائي، موظفة الاستقبال، موظف الاستقبال الذي غيّر هيأته لامرأة، العاملة المختصّة بتنظيف الملاءات من الدماء، والكونتيسة، حبيب الكونتيسة وهو ابن موظفة الاستقبال، ومدمنة المخدرات، والممثلة المشهورة في حقبة الستعينيات)، كما أن المسلسل يتعرض لعدد غير بسيط من القضايا الاجتماعية التي تشغل البشر في واقعنا الحالي، أو تنتقل معهم من عصر إلى آخر.
السيناريو والحوار أخّاذ، مدهش، روائي بامتياز، يجمع بين الشعر والجنون، وبين الرسم بالكلمات (وصف رائحة الدم والبشر)، وأداء الممثلين رائع خصوصًا ليدي غاغا (الكونتيسة)، إيفان بيترز (صاحب الفندق الأول)، دينيس أوهير (الرجل المرأة)، كاثي بيتس (موظفة الاستقبال).
وربما محور كل المسلسل هو الحب، وإلى أين يمكن أن يؤدي حبنا لشخص بنا أو بمصائر الآخرين.
هناك حب الرجل لزوجته وأبنائه، وحب المرأة الأول الذي لم تنسه طوال 100 عام، وحب الأم لابنها الذي يكرهها ولم يقل لها كلمة لطيفة طيلة حياته وهي تخلٌت عن كل شيء لأجله وفي المقابل يضحّي بحياته لأجل امرأة كانت طيلة الوقت تستخدمه ولا تحبه، وحب عاملة التنظيف لمديرها ما جعلها مساعدته المخلصة في القتل، وحب الأم لابنها لتتحول من أجله إلى مصاصة دماء، وحب الابنة لأبيها وأمها رغم الجرائم الفظيعة التي ارتكباها.
المؤلفان هما براد فالتشوك، ورايان مورفي، يقولان إن هذا الجزء هو الأكثر سوداوية بين أجزاء المسلسل، واستلهما قصة الفندق (كورتيز) وموقعه في المسلسل لوس أنجلوس- كاليفورنا، من أفلام فنادق قديمة وبعض الشائعات التي خرجت عن فندق حقيقي اسمه “سيسيل” في لوس أنجلوس أيضًا.
من القضايا التي برزت في الحوارات: الاستغلال العاطفي والجنسي، تجنّب تطعيم الأطفال لاعتقاد أنه سيؤدي لمرض التوحد، إجبار الأهالي لأبنائهم على نظام غذائي معين (صحّي)، المثلية الجنسية وتبني المثليين وموضوعة تقبّل وتفهّم ذلك من قبل أبنائهم بالتبنّي، الرغبة في التحول شكليًا من رجل لامرأة والتضحية بكامل الحياة الشخصية من أجل تلك الرغبة (العواقب والتقبّل الشخصي والاجتماعي وحتى العائلي لهذا المظهر الجديد)، الإدمان على المخدرات (العواقب وأسباب الاستمرار فيه)، الشعور بالإهمال الاجتماعي ومحاولة تحقيق ذات ولفت الانتباه أو على الأقل تحقيق شعور شخصي بالرضا من خلال انقلاب نوعي في التفكير والعمل لصالح الشعور بالذات وسط عالم لا يكترث لأجلك، وأكثر من هذا، عالم لا يراكَ أساسًا، وغيرها..
هناك العديد من المشاهد المحوريّة في المسلسل، وأكثرها مشاهد المصارحة والتأنيب أو المواجهة مع شخص نعلم أنه سيقتلنا حتمًا لتفكيرنا المعاكس.
الكونتيسة مصّاصة دماء، تحيا على قتل الآخرين وبسهولة تتخذ قرار القتل، لكن في أحد المشاهد حين توشك على الموت، تأتيها (المدمنة- شبح) بأطفال مثلها لتأخذ من دمهم فتبكي الكونتيسة بحرقة كبيرة وتصرخ “أفضل أن أموت على أن أقتلهم من أجلي” وهي التي ربتهم ويعتبرونها أمهم، ويتم إجبارها على العلاج بأخذ حياتهم.
لكن هل لكل تلك المشاكل والسوداوية نافذة واحدة للخروج من المصيدرة، من مأزق الدم؟ مأزق الوحدة؟ وتعذيب الآخرين ليشعروا بعذابنا؟
يفاجئنا المسلسل ومن خلال الشخصين اللذين تبقيا على قيد الحياة فيه، كيف عملا على ربط عالم الأرواح في الفندق بالعالم الخارجي، وكيف تمكنّا من إنهاء جرائم القتل المتكررة من قبل الأرواح التي ظلت عالقة في الفندق، وهنا برز دور مواقع التواصل الاجتماعي في إيجاد حل لإنهاء حالة العنف التي استمرت طيلة 90 عامًا.
تقول “آيريس” للمدمنة التي لا تريد التوقف عن القتل، بما معناه “أنت مت في التسعينيات، اليوم وبعد تجديد الفندق أضفنا خدمة الواي فاي، لن تشعري بالوحدة بعد الآن، يمكنك التواصل مع العالم الخارجي من خلال هذا الهاتف، في عالم اليوم لا أحد وحيدًا”، وبالفعل هذا ما يحدث.
أضف تعليق