رحمة حجة

سرتُ عشرات الأميال فتعلقت بالأرض وكل ما هو طبيعي. سافرت آلاف الأميال فأبهرتني المتشابهات بيننا أكثر من المختلفات. صرتُ أمًا فازددتُ إيمانًا بجدوى الخيال. رويت قصص الناس وآن أوان قصّتي.

مسلسل بيت المال: ثورة قائدها العِلْم (البروفيسور)

بواسطة

بوصة

La casa de papel 8.8/10 IMDb (2017)
تخطط فرقة من أصحاب السوابق في الاحتيال والسرقة والاختراق الإلكتروني وغيرها من تلك القضايا، ودعونا نسميهم “الخبراء” بقيادة شخص يسمّونه “البروفيسور” ولا سوابق له بالمرة، فلنسمه (العلم والمعرفة) لعملية سطو ستكون الأكبر من نوعها في التاريخ، حيث الهدف بيت المال، أي مكان طباعة العملات الورقيةوالشرط الوحيد الذي وضعه البروفيسور “عدم قتل أحد”، فركيزة المهمة “نسرق دون أن نسرق أو نؤذي أحدًا، إنما نسرق الوقت”
أفكاري حول المسلسل:
– قد تكون خلطة نجاح الثورة السلمية : الوعي والمعرفة، إيمان بالهدف، خطة دقيقة، قائد ملهم ، التفاف حول القائد 
والثقة به، الالتزام بقاعدة “السلاح للدفاع لا للقتل”.
– السيناريو والحوار رائع وممتع. نجد فيه قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية.
– الطيبون والأشرار، موضوعة متكررة في معظم المسلسلات وهي جزء مهم من هذا المسلسل وتظهر بحدّة في الجزء الثاني خلال حوار بين المحققة (راكيل) المحتجزة لدى البروفيسور (سيرغيو) ثم في إعلان موقفها من القضية لصديقها بقولها “أنا لا أعلم من الطيبون ومن الأشرار”.
– تأكيد على أن الإنسانية أولًا، فالمشاعر المكثفة في عديد العلاقات (أخ وأخوه/ حبيبان/ أب وابنه/ الرفقاء بعضهم ببعض) تشكلّت على النحو الذي يفرحنا حين تتماسك ويبكينا حين تنفرط الأواصر.
– عطفًا على الفكرة السابقة، ظهر في المسلسل أكثر من مرة تمرّد بعض أعضاء فرقة السطو (المقاومة) كما أحب البروفيسور تسميتهم، على زعيمهم برلين، تارة من طوكيو وأخرى من ريو ودينفر وثالثة من نيروبي، كما استغلّوا نقاط ضعفهم للضغط على بعضهم (حوارات برلين وطوكيو- هو ونيروبي) لكن ذلك لم يعن أبدًا أنهم يكرهون بعضهم.
في أحد المشاهد تقول طوكيو لحبيبها ريو الذي قلّل من شأن صداقة بأشخاص لا يعرف أسماءهم الحقيقية فقالت له إن الأسماء لا تهم، وما تعرفه أنهم أصدقاؤها وأنه لو فكر في خيانتهم ستكون هي من يطلق الرصاصة وترديه قتيلًا. وفي مشهد أخير بين نيروبي وبرلين، حين أصرّ على البقاء والموت “بشرف” إذ يضحّي بنفسه كي يكسبوا الوقت وينتصروا في معركتهم، تصرّ عليه بأن يهرب وتبكي وتصر أن تعود لأجله، كما في مشهد بين طوكيو وموسكو أثناء احتضاره، صحيح هو أكد على انزعاجه منها مرارًا حتى أنه قال إنها “تترك الجثث حيث تمر” لكنه لم يكرهها ولم يندم أنه دافع عنها حتى الموت.
– في لحظة ما يقول برلين لنيروبي إن عليها الامتثال لأوامره وهذه روح النظام الأبوي، تندهش حينها، أي أن عليها الالتزام فقط لأنه رجل ولأنها امرأة، لكنها في ما بعد تحطّم نظرية برلين وتتزعّم العمل، وينتقد المسلسل النظرة الدونية للمرأة من خلال الحوارات بين المسؤول الأمني في المخابرات والمحققة الرئيسة في القضية، فيقول لها مثلًا إن امرأة في سنّها تتعرض لاضطراب هرموني يؤثر على قراراتها، كما يحاول إخضاعها للاعتراف بليّ ذراعها اليمنى بتهديدها بسحب حضانة طفلتها منها، ويتهمها بأنها تكذب بخصوص تعنيف زوجها لها.
– في معادلة المشاعر هنا، لم تكن النساء وحدها هي الضحية كما يغلب في مسلسلات وأفلام أخرى لنساء في مواقع قرار، فكانت المحققة راكيل والرهينة مونيكا وطوكيو، وفي بالمقابل كان برلين وريو والرهينة أرتورو والمحقق أنغيل وحتى البروفيسور نفسه الذي يتفوق على الجميع في مستوى الذكاء، أما المتحررين من العلاقات كانوا أقدر في عدم الانزلاق وراء العواطف ومثاله نيروبي التي حسمت النهاية بقولها “دعونا نكمل ونستمر” ولم تتسمّر في مكانها حزنًا على من مات.
– زوايا التصوير والمراوحة بين الطبيعي والبطيء، والموسيقى التصويرية والأغاني المرافقة خدمت القصّة بشكل أخّاذ، والنص بقوّة، فمثلًا صورة مواجهة برلين الأخيرة بألوانها وحركتها والموسيقى أرادت أن تقول ببساطة إنه “البطل الفرد المضحّي من أجل قضيّة” وصورة الاختراق الأمني لطوكيو بدراجتها النارية ثم القفز بين الرصاص وعلى درج بيت المال، تخبرنا بأنها نموذج الثوري المندفع الذي لا يخشى شيئًا في طريقه للحلم.
– في عادة مسلسلات تحمل قصص مشابهة (مختطف ورهينة) تكوون الرهينة ضعيفة وتستسلم سريعًا، وإن كان لها محاولة الفرار أو المقاومة فهي سرعان ما تهدأ، لكن في هذا المسلسل كان احترام لفكرة المقاومة والمقاومة المضادّة إن جاز التعبير، كما احترام لمنطق المناصب، والتجربة الشخصية، فمثلًا أكثر من حاول النجاة وبطرق عديدة كان مدير المؤسسة (أرتورو)، ومؤسسة بحجمها لن تضع شخصًا عاديًا في هكذا منصب، كما لن يمر عنه النص من دون منحه رخصة بطولة بين الشخصيات الرئيسة في المسلسل. أما الفتاة الثريّة المدللة، التي تعرضت للتنمّر مرارًا، فكانت تجربتها ونصائح نيروبي الحاسمة لها هي المولد لطاقتها المخزونة، وظلّت حتى بعد تحريرها تحاول أن تكون البطلة حين أدلت بشهادتها على وجود نفق آخر غير الذي يستقطب تركيز القوات الأمنية.
– المتحمسّون للقتل في معادلة اللصوص- قوات الأمن- الرهائن كانوا بين الطرفين الثاني والثالث، وهو عكس المتوقع، وكأنه رد فعل طبيعي للعلاقة بين الإنسان والسلاح، فأن تحمل سلاحًا وتقف في مكان معين باعتبارك قناصّا هذا يعني أنك أتيت لتقتل وهي مهمتك التي ستسيل لعابك بانتظارها حتى تُشبعها برؤية الدم (مشهد قنص أرتورو مثالًا). وما تكرر بين رجال الأمن ومدرائهم الذين يريدون إنهاء المهمة بأسرع وقت ولو كلف ذلك بحر دماء ونفذوا ما أرادوا في النهاية. كما أن مجموعة الرهائن التي هربت في البداية، أقدمت على قتل أحد عناصر الفرقة بسهولة، رغم أن الهاربين هم موظفون حكوميون وطلبة، دون سوابق جنائية.
– في أحد المشاهد وقعت مشكلة بين الطلبة الأثرياء وحاولوا الاعتداء على زميلتهم، ليطلّ عليهم برلين ويقول ساخرًا “هل هذا ما يعلمونكم إياه في المدارس الخاصة؟” هذه رسالة أيضًا.


أضف تعليق