
في حرق للأحداث
دراما خفيفة ذات بعد فلسفي وجودي. مسلسل جميل، لا يحمل الكثير من الإبهار إذا ما قارناه بمسلسل “دارك” الألماني، فهو يشترك بنفس الموضوعة (السفر عبر الزمن) والنهاية (التخلّي عن الأنا لصالح الآخر- الكون).
تعثر ليا ، الطالبة المدرسية في سن 17 على جثة خلال تمشيها في واد قرب النهر، أثناء محاولتها تناول حبوب هلوسة بمفردها، والجثة التي لم يتبق منها سوى الهيكل العظمي وسوار فضي، تلمسها ليا قبل أن تبلغ الشرطة بأمرها ويبدأ التحقيق. وحين تخلد للنوم في الليلة الأولى، تصحو على نفسها في جسد شاب عربي مسلم اسمه إسماعيل، في عام1991، وهي كانت تعيش في عام 2021، لتكتشف أنه الشخص صاحب الجثة ، وهنا يعتريها الفضول لتعرف كيف قُتل، ثم تقرر أن تغير مجرى الأحداث كي تمنع موته، أو بالأحرى قتله. وعلى مدى أسبوع تنتقل روح ليا في أجساد عدة أشخاص هم أصدقاء مقربون من إسماعيل، وبينهم بفعل القدر والدتها ووالدها.
وعلى طول المسلسل يظل شكها ينتقل من شخص لآخر بحثًا عن قاتل إسماعيل.
المسلسل إذا يطرح مقتل شاب عربي مسلم في قرية فرنسية على يد شبان بيض يرون فيه “متشردًا” هو يطرح قضية ليست لأول مرة، وهي العنصرية ضد المهاجرين. كما يسلط الضوء على حياته الشخصية وموهبته الفذة في التأليف الغنائي والغناء والعزف، والمستقبل الواعد الذي كان بانتظاره لولا أن رصاص العنصرية قضى على هذا النجم الذي كان سيكونه.
وكيف أنه هذا الشاب المرغوب ومصدر الغيرة والقلق لدى شبان كثر، لأنهم يرونه هذا المهاجر أفضل منهم. (يذكرني هنا بفيلم غيت آوت حيث ثيمته الرئيسية الغيرة من السود ومحاولة سرقة كل ما لديهم من قدرات ومهارات).
وما يربطه بالنقطة الثانية التقمص الوجودي لإسماعيل- حين يكون الآخر مكاني وانت مكانه ماذا سيحدث؟
النقطة الثانية هي قضية وجودية عميقة غلبت عليها الطوباوية في زمن قصصه الواقعية أقرب لآخر عبارة قالتها ويندي بيرد في نهاية مسلسل “أوزارك” (منذ متى والأمور تسير هكذا؟” أي أن الخير في الواقع لا ينتصر في النهاية ، في زمن المصلحة الفردية العليا .
القضية أن ليا تكتشف أن أبوها مثلي الجنسي، لكنه أخفى ذلك 30 عامًا، فعاش مع والدتها كاتمًا السر وملتفًا بالكآبة والحزن ، وأمها كذلك التي تخونه. لكن في لحظة ما من الزمن الماضي تحاول تغيير مساره وأن يعترف بذلك وينهي علاقتها بوالدتها، وأن تختار بين أن تعيش هي لأبوين بائسين وأن يموت إسماعيل، أو يحيا إسماعيل وينفصل والداها بالتالي تتبخر من الوجود ، لتقرر أن يعيش إسماعيل ويهنأ والداها بحياة خالية من الذنب والبؤس. فيعيش إسماعيل، الذي يقرأ في دفتره الخاص رسالة منها كتبتها قبل أن تنتقل روحها. لا أعلم إن كان هناك جزءً ثان ، لكن هذا يكفي
أيضًا.
أما العامل الأساسي ومحرك ليا فهو الحب ، لقد أحبت إسماعيل، دون أن يعلم حتى بوجودها.
شبهته بمسلسل دارك، لأن الأخير ظل يدور ويدور في حلقات المالانهاية بحثًا عن معادلة الحل لتستوي الأقدار أقدارهم جميعًا ، حتى قرر البطلان (الشاب والفتاة) التخلي عن الذات والوجود لصالح هذا الكون غير متأكدين من أنهم سيوجدون أو يولدون في عالم آخر/زمن آخر/ بقدر وروح جديدين.
أضف تعليق