
في فرصة استثنائية، تمكنتُ من دخول معاقل تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف بـ”داعش”، حيث سمحَ لعشرات الصحافيين بالدخول إليه لمدة يوم واحد فقط، كنوع من الاحتواء للإعلام، من أجل “تجميل الصورة”، كما تفعل مؤسسات وحكومات عديدة، كانت أرهقت المواطن ثم الصحافة بقضاياها الشائكة وفسادها المُفرط في البلاد.
وتوسّط جولتنا التعريفية في الحيّز العسكري والاجتماعي، ثُلّة من عناصر التنظيم المدججين بالسلاح والأحزمة الملغومة، التي تشي بحذرهم وجاهزيتهم في أي لحظة قد يُجَنّ فيها أحدُنا ويضيّع الفرصة التي قبلناها شرط الخروج أحياء في ما بعد.
فوجئتُ بعديد المعارف وآخرين شغلوا الإعلام في ما مضى. كانت معلّمة التربية الإسلامية أحدهم، نعم، إنها هي.
أتذكّرها تقرأ الصفحات من الكتاب أمامنا، وتضبطُ شرح الأوراق مع مدة الحصة الدراسية، ثم تقول “هل من سؤال؟”. وإذا سألتها واحدة شيئًا خارج النص، احمرّ وجههُا لعدم معرفتها الإجابة، أو ترد عليها ببرود “استغفري الله.. لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم”.
وكانت تردد طيلة الوقت، أن المسيحيين مهما فعلوا في الدنيا، مستقرّهم النار في الآخرة، كما أنهم “كَفَرة” لأنهم لم يؤمنوا بالنبي محمد، ونحن في قرية لا يسكنها إلا المسلمون، لذا كنا نعرف المسيحية منها.
كما رأيت “المجنون”، أو هكذا أطلق عليه أهل بلدته المحاذية لنا، وكانوا أعلنوا عن اختفائه منذ عام ونصف تقريبًا، لا لأن أمره يهمهم، إنما “خوفًا على حياة الناس منه” وكتبوا في الإعلان أيضًا: “قد يهجم على أي شخص يقابله فجأة دون مقدمات، وينهش جلده بأظافره الطويلة الحادة، وربما يخطف الأطفال..”. وهو ذات “المجنون” الذي أخبرني صديق لي قصّته لأكتب عنه تقريرًا لشدّة ما يعانيه من “ظلم الناس”، الذين طالما تضاحكوا حوله ورموه بالحجارة وسلّطوا أولادهم عليه بالشتم والذم، حتى تحوّل من شخص منطوٍ إلى عدائي يخرّب كلّ ما حوله.
ها هو الآن يحصلُ على مجده الخاص، ويحملُ بندقية “M16”. يبدو سارحًا في وجوهنا متربّصًا أمرًا –ربما- بقتل أحدنا.
يا إلهي! إنه الرجل الذي قتلَ زوجته بـ 9 طعنات أمام أبنائهما حين عاد إلى منزله سكرانًا ناقمًا على فقره. قتلها، وفي المحكمة خرج “بريئًا” منتصرًا لـ”رجولته” لأنه قتل “الزانية”.
وإلى جانبه يجلس رجلُ ملتحٍ يتناول حبة تلو حبة من كيس فستق. أحاول تذكّره.. لقد أطلّ علينا في برنامج اجتماعي، يُفاخر بقتله لابنته شنقًا ورميها في قاع بئر بعدما اكتشف حبها لزميلها في الجامعة، ويقول “الله ألهمني على هذا الفعل.. لقد غسلتُ العار”.
وأمام إحدى البيوت المهدومة نوافذها، جلست امرأة ترتدي عباءة سوداء وتحمل سلاحًا على كتفها، ترمقنا النظرات بعينيها الزرقاوين. عرفتُها، إنها ملكة الإعلانات في التسعينيات، يبدو أنها اختارت طريقًا آخر للشهرة بعدما سرقتها نساء يصغرنها سنًا وأكثر منها جمالًا.
هل حقًا أنا وسط داعش؟ ليسوا غرباء أبدًا كما كنتُ أظن!
وفيما كنتُ أتحدث وزميلتي أثناء سيرنا، أطلّ علينا رجل سمينٌ عريض المنكبين ذو وجه كبير الملامح، إنه إمام مسجد المدينة الرئاسية السابق، وكان معروفًا بتكفير كل مخالفيه وحصد الأموال من الناس بحجة التبرعات للمساكين والفقراء، حتى صارت ثروته أرتالًا. يبدو أنه يموّل هذا التنظيم الآن!
ومن بعيد راقبتُ شابًا كانت أثيرت عنه العديد من قضايا الاغتصاب واستغلال الفتيات جنسيًا لتحصيل المال عبر برامج الـ”تشات”. ها هو يلهو مع بعض الجهاديات الأوروبيات والعربيات ويتبادلون الضحكات العالية.
لكن المفاجأة كانت في رؤية زوجين من أطيب الناس، حلمهما كان فقط دخول الجنة، التقيتهما في رحلتي إلى دولة شقيقة. منظرهما الآن مريب وهما ينقلان بعض الصواريخ من مكان إلى آخر!
وها هو الطالب الجامعي الذي حلُم باصطياد إحدى جوائز نوبل العلمية، وكنتُ علمتُ سابقًا أنه لا يفوت “فيديو” قطع رؤوس وتشويه جثث للجماعات المتطرفة. أراه يطوّر مع عناصر آخرين من داعش بعض الأسلحة، التي نراها عن كثب ويشرح لنا المرشد في الجولة مدى تأثير ضرباتها.
ونلتقي بمجموعة محاربين ومحاربات في التنظيم، يؤكدون لنا ثقتهم المطلقة بقوة داعش “الحق” ضد “الباطل”، ويغدقون الشرح في طريقه لإصلاح العالم حتى يعُمّ الإسلام والاستقرار ويتم القضاء على “الفواحش والرذائل”، ما يؤسس لجيل جديد “صالح”…
من بين هؤلاء، كان ضابط مخابرات مشهور، قرأت يومًا عن طرق تعذيبه للسجناء السياسيين في زنازين النظام الذي يتبعه، وروايات مرعبة لناجين من تحت يده. فقصص الموتى ترحل معهم، في مقابر جماعية لا يصلُها أحد.
وتلاقت نظراتي بعيني آخر، وهو مخرج أفلام شهير، كنتُ أجريتُ معه لقاءً في الماضي، جلسَ إلى جانب طبيبة جراحة اشتهرت بعمليات زراعة القلب على مستوى بلاد الشام. الآن ترتدي الملابس “الكاكي” وحجابًا أسود يغطي ثلثي شعرها.
كيف لـ داعش إقناع هؤلاء جميعًا، وأكثر، الذين قدموا من مختلف البيئات والمجتمعات؟ كيف يقودهم إلى جنون القتل والسلب والنهب مقابل ضمان الجنة؟
كل ما ورد في الأعلى من خيال الكاتبة
رحمة حجة٫ نشر في “وطن للأنباء” 11.07.2015
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.