رحمة حجة

سرتُ عشرات الأميال فتعلقت بالأرض وكل ما هو طبيعي. سافرت آلاف الأميال فأبهرتني المتشابهات بيننا أكثر من المختلفات. صرتُ أمًا فازددتُ إيمانًا بجدوى الخيال. رويت قصص الناس وآن أوان قصّتي.

مبنى التايتانيك: لافتٌ للبصر ومثيرٌ للقلق.. ماذا يقول مصممّوه؟

بواسطة

بوصة

كنت أرى مبنى “السفينة” كما تحلو لي وللكثيرين تسميته، في طريق عودتي اليومي إلى جنين، حيث يرتكز إلى يسار المركبة التي تُقلّني من رام الله خروجًا من مدخل البيرة الشمالي، وهو ملفتٌ للانتباه بسبب تصميمه وصغر مساحة الأرض المقام فوقها.

وعبر صفحتي الشخصية المفتوحة في منشوراتها لتعقيبات العموم، استطلعت لصالح “الحياة الجديدة” آراء المواطنين، وسرعان ما أثارت صورته في الأدنى، الجدل.

من صممّه؟

يقول المهندس الإنشائي حازم يغمور لـ”الحياة الجديدة” إن شكل قطعة الأرض التي أقيم عليها المبنى كانت عاملًا أساسيًا في تصميمه، فهي “مثلثة وصغيرة”، مضيفًا أن صاحبها لم يكن يملك أي فكرة عن ماهيّة ما سيبنى فوقها، فترك التصميم لمكتب “آرت للاستشارات” الهندسي، ليقوم مديره العام مهند محيسن بإبداع هذا الشكل، إلى جانب التفاكر مع يغمور، حين قررّا المخطط الكامل للمبنى.

والمهندس المعماري محيسن هو مؤسس “آرت” منذ عام 1992، في مدينة دبي بالإمارات العربية المتحدة، وأنشأ فرعه في رام الله منذ ستة أعوام، بالشراكة مع المهندس يغمور، ولهذا الاسم عشرات التصميمات في الإمارات من مبان حكومية وناطحات سحاب ومستشفيات وفلل خاصّة، كما له العديد من المباني في فلسطين بين رام الله والخليل، لكن “السفينة” الأكثر ميزة بينها.

ويقول المهندس يغمور إنهم أطلقوا على المبنى منذ البداية اسم “تايتانيك”.

وهو اسم الباخرة البريطانية الأشهر على مرّ التاريخ، التي غرقت في المحيط الأطلسي عام 1912، قبل إتمام مسارها إلى بلاد الهنود الحمر، توقًا لما أسماه الأوروبيون “العالم الجديد”.

“سين جيم”

في تعقيبات المشاركين برأيهم على الصورة أعلاه، للمصور جمال عاروري، تقول نور عرار إن المبنى “جميل جدًا وملفت للانتباه وسيغدو يومًا ما أحد معالم رام الله الهامة مثل أسود دوار المنارة”، كما رأته ميسا الشاعر “جميلا وذكيا في استغلاله مساحة صغيرة من الأرض، ويضم نوافذ من جميع الجهات”، وقالت وفاء عاروري “مصممه ذكي بإقامة بناء مميز على قطعة أرض صغيرة وطولية بشكلها، لكن ليته اختار اسم سفينة ذات معنى تاريخي فلسطينيًا أو عربيًا”، فيما قالت ربا عنبتاوي “جميل وإضافة هندسية”.

وعكس هذه الآراء كان تعقيب نادين صيام “المبنى بشع جدًا ويوحي بأن مساحته ضيقة جدًا”، وولاء شمالي “ميزته فقط باستغلال المساحة لكنه ليس جميلًا”، ومنى اشتية وهي مهندسة معمارية “مزعج شكليًا” وتضيف: ” توزيع النسب ونسبة طول الأرض وعرضها إلى نسبة ارتفاع المبنى ضخمة”.

وعقّب خلدون عطاونة الذي عرّف نفسه بـ”مهندس معماري”، قائلًا: “هذا اعتداء على البيئة وتشويه للمشهد البصري العمراني والحضري. ينتهج أسلوب العمارة الملساء بعشوائية غريبة(…) وهو غير مريح للمستعملين ولا حتى لتوزيع قطع الأثاث لأنه من الواضح يتخلله ممر طويل ومكاتب صغيرة لا تتسع لقطع الأثاث المناسبة حتى تُمارس الأعمال اليومية بسهولة، كما لا يوجد مناطق خضراء حول المبنى أو ارتدادات ومواقف سيارات للمستعملين”.

فيما رأت روان برهوش التي عرفت نفسها بـ”مهندسة” أيضًا: “جميل كديكور واستغلال مساحي وممتاز من ناحية التهوية والضوء لكثرة النوافذ، لكن من ناحية إنشائية وقوة مبنى وتحمّل فهو غير آمن جدًا”.

وكتب نور الأسعد: “فن رائع، ومبالغة في استخدام الزجاج وهذا نوع من التوفير ماليًا، لكن بعيد عن حركة الناس، أي إذا كان تجاريًا سيكون الزبائن من طبقة خاصة وأصحاب السيارات، ةلا أرى موقف سيارات وهذه مشكلة كبيرة”.

المهندس الإنشائي عايش صلاحات له رأيٌ أيضًا، عدا عن كونه يسكن في ذات الحي قرب المبنى، إذ يعتبر أن كل الانتقادات بالنسبة موقف السيارات والزلازل وضيق المساحة ناجمة عن عدم علم ومعرفة وحكم سطحي، مضيفًا: “بالنسبة للشكل المعماري أعتقد كان بالإمكان إخراجه أفضل دون مزج أكثر من مدرسة بلا هدف (…) ومن الصعب تقييم المبنى زلزاليًا من مجرد صورة”.

وتتخيل منار فقيه المبنى لاحقًا ” مع الإضاءة وليل رام الله والمطر سيبدو جميلًا جدًا(…) زلزاليًا وضعه صعب”.

تبدو ضيّقة لكن..

يصبح المبنى جاهزًا مع حلول أيار/ مايو المقبل، وكان بدأ عام 2012 بتصاميم ومخططات ثم وضع اللبنة الأولى فيه، حسبما يقول المهندس حازم يغمور.

وسيضم في معظمه محال ومعارض تجارية بالإضافة إلى مكاتب، وتبلغ مساحة كل طابق 600 متر مربع، وفق يغمور، الذي أضاف: “يبدو لمن يراه من الجانب الشمالي الغربي ضيق وصغير، لكن مساحته الإجمالية 8 آلاف متر مربع”.

ويتابع حديثه: “الآن عرف معظم من رأى المبنى أن شكله سفينة، لكن من الصعب تصوّر المساحات الداخلية، إلا إذا مشوا في أحد الطوابق”.

وفي ما يخص مواقف السيارات، أوضح يغمور “يوجد طابقان تحت الأرض، مدخلهما من الجهة الجنوبية للمبنى، يضمّان 70 موقف سيارات”.

كما أكد يغمور على أن المبنى مصمم ضد الزلازل حتى درجة 6.5 بمقياس ريختر.

ويشرف على هذا المشروع هندسيًا وإداريًا المهندس الشاب مجد يغمور (25 عامًا)، ويقول لـ”الحياة الجديدة”: “عملت قبل ذلك في منشآت لكن هذا المبنى مميز بكل ما فيه من تفاصيل، ومثل بالنسبة لي تحديّا في تجربتي الهندسية، بالتعاون مع المكتب، إذ كنت أعود إلى المهندس حازم كلما واجهت صعوبة، ولكن هذا في المراحل الأولى منه، فبعد ذلك تغدو المراحل التالية نوعًا من التكرار”.

ويقول إنه اكتسب خبرة جديدة وكبيرة عبر الإشراف على هذا المشروع، في مجالات هندسية عدة، مثل “التفاصيل الإنشائية والزلازل وحساب الكميات وحساب الرياح، مضادّة للرياح والزلازل”.

رحمة حجة٫ نشر في “الحياة الجديدة”٫ ١٤ شباط/ فبراير ٢٠١٦


أضف تعليق