رحمة حجة

سرتُ عشرات الأميال فتعلقت بالأرض وكل ما هو طبيعي. سافرت آلاف الأميال فأبهرتني المتشابهات بيننا أكثر من المختلفات. صرتُ أمًا فازددتُ إيمانًا بجدوى الخيال. رويت قصص الناس وآن أوان قصّتي.

السرٌ الذي يدفعك لتكرار زيارة وادي القلط 

بواسطة

بوصة

كسولة هي صباحات أيام الجُمعة، لكن شيئًا ما يدفع ثلّة من الأشخاص متنوعي اللهجات واللغات والجذور الضاربة في فلسطين التاريخية وخارجها، ليستيقظوا بعد الساعة الخامسة فجرًا، ويجهزّوا أنفسهم للقاءٍ عند “دوار المنارة” وسط رام الله، كي تنطلق بهم الحافلة تمام السادسة والنصف، هذا لأن الفصل شتاء، بينما يكون الوقت أبكرَ صيفًا.

“أبو العبد” وهو السائق المتوفر دائمًا لحافلة أو لواحدة من اثنتين، صار صديقًا لمجموعة “شطحة”، ويعرفهم/ن بالاسم، خاصة المواظبين منهم في المسارات الأسبوعية، إذ يقلهم لنقطة ينطلقون منها إلى النقطة الهدف، ويستغرق الوصول ساعات من المشي في طرق جبلية وسهلية، ويلتقون فيها بسكان البلدات التي يمرّون عنها ويتعرفون على أماكن، نباتات، حيوانات، وديان، وقصص جديدة ومثيرة للاهتمام في كثير من الأحيان.

وفي أواخر كانون ثان/ يناير الجاري، تحتفي “شطحة” بمرور عشرة أعوام على تأسيسها.

تقول أستاذة الاقتصاد في جامعة بيرزيت، سامية بطمة، وهي مؤسسة المجموعة إلى جانب أستاذ السياسة في نفس الجامعة صالح عبد الجواد، إن “شطحة” ولدت باتفاق بينهما، فهو أساسًا كان يسير وحده بين البلدات والقرى الفلسطينية، وهي كانت في الغُربة قبل أن تعود إلى فلسطين آنذاك، تسير مع مجموعات تمارس “الهايكينغ”، وأخذت الفكرة نحو ستة شهور للخروج من دائرة أربعة أشخاص، وتشهد إقبالًا متذبذبًا من آخرين، خاصة أن الأمر يستلزم النهوض باكرًا والسير في مناطق قد تكون خطرة وغير مألوفة للبعض.

وحاليًا، أصبحت “شطحة” واحدة بين مجموعات عدة تمارس السير لمسافات طويلة بين قرى ومدن فلسطينية، ومحور تركيزها محافظة رام الله.

وتضيف بطمة لـ”الحياة الجديدة”: “شطحة نشاط تطوعي غير ربحي، ومجتمعي لتقوية الصداقات، والاستمتاع مع الناس والأرض والطبيعة”.

وادي القلط نموذجًا

ليست المرة الأولى التي تذهب المجموعة إلى وادي القلط، لكن الفرق يكمن بين تقطة البداية والنهاية والاتجاهات بينهما، والأشخاص الذين يشاركون، إضافة إلى حالة الطقس، وأيضًا نوع الأطعمة التي تتناولها المجموعة وقت الفطور.

وهذه المرة بدأ المسار من “مطلة وادي القلط” التي تبعد عن القدس 16 كلم. وتمر المجموعة بأول بيت في قاع الوادي، يبدو أن عائلة بدوية تسكنه، وكأن ما يحيطهم واحة في صحراء، حيث الأشجار الكثيفة المتكاتفة والمياه الجارية، إضافة إلى بقايا آثار تعود للعصور الرومانية قريبًا منهم.

وعلى طول المسار من المطلة إلى مدينة أريحا، يرافقك صوت الماء، في قنوات الري الحجرية، التي تعود إلى عهد الملك الروماني هيرودس الكبير، حيث بناها لتزويد قصره الشتوي وحديقته بالماء.

السابعة صباحًا، لا تسمع في الوادي سوى صوت الكائنات من غير البشر، من طيور وحيوانات وحشرات أو حركة الأشجار والأعشاب التي يرتطم بها السائرون، مضافة إلى هدير الماء، في امتزاج موسيقي صنعته الطبيعة، قد لا تستطيع تمييز مصدر الأصوات جميعها، لكنها في النهاية تجذب مسمعك، وتلتقي بصمتك الداخلي في طريق ربما تمشيها لأول مرة.

هواة التصوير يظلون عادة في الخلف، وقد يؤخرّون المجموعة، لكن المصوّر تغريه مئات الزوايا، ويختار في النهاية القليل منها لإبهار غيره من الغائبين عن هذه الرحلة، أو ليحفظها إلى جانب الذاكرة، حيث لا ينسى شغف اللقاء الأول بالمكان.

التفكير بطريقة بناء القنوات المائية، كفيلٌ بأن يشغل مساحة هامة من النقاش بين أفراد المجموعة، فالقنوات التي تم تحديثها والإضافة عليها في عصور لاحقة لهيرودس، كان آخرها زمن الانتداب البريطاني، محفورة في الصخر، وتتحكم بمجرى الماء بين الزوايا والانحناءات والهبوط والصعود، كأعجوبة تاريخية.

تصل المجموعة لمنطقة، يبدو أن شخصًا مرّ وأحرق ما نما فيها من شجر، إذ يطغى الأسود بدل الأخضر في بقايا النباتات.

تقول جوانا رفيدي، معربة عن شعورها بالحزن لهذا المنظر “خسارة، لقد مررتُ سابقًا من هنا وكانت النباتات رائعة حتى أننا التقطنا عديد الصور إلى جانبها.. لم فعلوا ذلك؟”.

شيء آخر يلفت الانتباه، وتستطيع ملاحظته فيما الشمس تسقط أشعتها منكسرة على الصخور تارة، أو مبتعدة عنها لتصنع لك ظلًا، وهو الألوان، خاصة حين تلمح اجتماع الصخر بالماء والشجر، وصخور الوادي هي من نوع سينوتي وباليوسين مؤلفة من الحور والكلس والاندساسات الصوانية التي تعود في غالبيتها للفترة الجيولوجية الرابعة. (www.enjoyjerusalem.com)

بدأت الصلبان بالظهور، لتؤشر إلى وصولنا لمحيط دير القلط ويطلق عليه أيضًا “مار جريس” والقديس سان جورج”، وهو أحد أقدم أديرة التنسّك في فلسطين، بناه يوحنا الطيب عام 840.

وعلى مقربة من الدير، تستريح “شطحة” إلى جانب ينبوع صغير، ويُخرج كل واحد من أفراد المجموعة ما أعدّه بيديه من طعام، صديقٍ للطبيعة، وغير مختوم بـ”باركود” دولة الاحتلال.

في كل مرة يستأثر طبق ما بذوق المجموعة، و”يا حظك” إن كان لك، فكل الأطباق مصنوعة بالحب، وتسعى لعلاقة بينها والمتذوقين حين تدور بينهم جميعًا، في حلقة لا تنتهي حتى ينتهون من تناول الطعام.

يقول الشاب علي حمدان، الآتي من مدينة القدس، إنه يزيل كل جمعة ضغط العمل المتراكم طيلة أسبوع، كما أنه يتعرّف على أماكن جديدة بأسمائها وتاريخها وشخوصها، دون أن ينسى التقاط الصور، والتباهي بكاميرته التي تقرّب كلّ بعيد.

يقول حمدان لـ”الحياة الجديدة” إنه اعتاد على السير في محيط القدس ومدن في الأراضي المحتلة عام48، ويضيف آسفًا “هذا النشاط موجود بقوة في المجتمع الإسرائيلي، مقارنة بنا، فهم يزرعون في رؤوس أبنائهم تاريخ البلاد كما يريدون بينما نحن لا نعيد سرده ونقله من جيل إلى آخر”.

الألماني الذي يقول عن نفسه حين أسأله إن اسمه يبدو عربيًا “أنا من كل مكان أنتمي لكل البلاد” ثم يضحك، اسمه نعمات راهماتي، ويقول لـ”الحياة الجديدة” إنه مشى في جولات مشابهة داخل ست دول حول العالم منها: تركيا، إسبانيا، هولندا، وبلده الأم ألمانيا، وهو منذ ثلاث سنوات، وقت قدومه لفلسطين، يسير مع “شطحة”.

يحب رهماتي في “شطحة” أنها فرصة للتعرف إلى طبيعة فلسطين وملاحظة تغيراتها بمختلف فصول السنة كما أنه يتعرف إلى الفلسطينيين ويبني أواصر معهم، مضيفًا “وأجتمع أحيانًا بألمان لا أعرفهم مسبًا”.

وفي نهاية المسار، أي حين الوصول إلى أريحا، تؤشر سامية بطمة إلى ركام تغطيه أكوام قمامة، بالقول “هنا آثار إسلامية من العصر الأموي”، وفي الصورة أدناه يبدو المشهد أبلغ من الكلام.

رحمة حجة٫ نشر في “الحياة الجديدة”٫ 19 كانون الثاني/ يناير 2016


أضف تعليق