
حين صعدت السلالم الخشبية المبتلّة والمغطّاة بالطين الآتي من أحذية المجموعة التي دخلت حيّز شلالات “موني” في “هافاسوباي- أريزونا”، وتمسكتُ بسلاسل حديدية مبتلة، وأوكأت قدميّ على أطراف صخور مبتلة، كان جسدي يرتعد خوفًا، تجنبت النظر للأسفل، حيث أنا متمسكّة بشيء قد ينفلت في أي لحظة وفق التفكير الذي هاجم مخيلّتي، وعقلي يقول “الثقة الثقة بالحديد.. لكن ماذا عن السلّم الخشبي المبلول؟”، ثم ساعدني شاب بحمل حقيبة صغيرة كانت في يدي وليس لها علاقات للظهر، لا أعرف من أي البلاد هو، ولم أسأله عن اسمه، قلت له “شكرًا جزيلًا.. شكرًا جدًا، لقد ساعدتني كثيرًا”.
ومن مجموعته كان شابٌ آخر يتقدمهم يمشي كأنه يركض على الصخور والسلالم بسرعة، ما دفعني للتفكير، ربما السّر هنا، أن أسرع، أن أفقد التفكير، أن أفقد الخيال، بالتالي أطرد الخوف.

هذا الشيء هو ما جرّبته ونجحت فيه خلال رحلة التخييم والهايكينغ والتسلّق في المتنزه الوطني أكاديا، بولاية مين الأميركية، تحديدًا مسار “بريسيبيس”، حيث تسلقتُ جبلًا ارتفاعه 328 مترًا، مع خمس نساء ورجل هو منظم الرحلة.
قررتُ أن أكون في مقدّمتهم كي لا يؤثر علي خوف إحداهن أو تحذيرات مرشدنا الذي كتب سابقًا في وصف المسار “هذا النشاط اختياري وليس لأي أحد، إذ لا يستطيع الجميع القيام به”، وكانت هذه العبارة تحدٍ لي ولستُ وحدي من أنجزه، بل جميعنا نحن النساء الستّة القادمات من فرجينيا وكاليفورنيا وماساشوتس وتكساس.
كما قررت أن أسرع، مثل ذلك الشاب تمامًا، ولا أنظر للأسفل أو للخلف، أنظر قليلًا للأعلى، أو لخطواتي، وبالفعل نجحت التجربة فلم أفكّر كثيرًا، ولم أشعر بالخوف، وفي مرحلة ما قال لي هيمانشو (قائد المجموعة) “احذري، لقد مات كثيرون في هذه النقطة تحديدًا” أجبته “رجاءً لا تحذرني، ربما سأخاف، دعني أخوض المسار كما أراه بنفسي”.
الزمان: 18-10-2018
المكان: Acadia National Park ، Maine, USA
المنظم: Trip and Trek مجموعة الترحال والمغامرة
فيديو يوضح مراحل تسلّق الجبل
كانت معنا شابة صينيّة ذكية جدًا وفضوليّة نحو معرفة التفاصيل وحذرة جدًا بقلب طيب وتعليقات مضحكة، لكنها ظلت خلفي في المسار، وفي نقطة ما حيث تعيّن علي أن أستخدم ساقيّ بكاملهما ولم يكن إلا قضيب حديدي استنادي واحد، قلت “أووه هذه نقطة صعبة”، فقالت لي جون “رحمة لا تقولي هذا صعب كي لا أتأثر، أنا أتبعك الآن”، وعند الحافة كنت أضحك وألتقط الصور وأقفز للفيديو، فقالت “رحمة لا تضحكي.. لا تضحكي، توقفي، احذري” فصرت أضحك أكثر وأقول لها “ولم لا، دعينا نتفاءل، انظري لنفسك ها أنت فعلتِها، وكلنّا أيضًا”.
كم كنتُ سعيدة لأنني تسلقتُ ولم أخف لأول مرة، ولم أستسلم كي أكون أولى الواصلات إلى قمّة الجبل. ومصدر هذه السعادة أنني هزمتُ خوفًا، وصار الآن عندي متسّعٌ كبير لخوض تحديّات جديدة، أكتشف فيها نفسي، وقدراتي التي لا أعلمها، أنا ابنة القرية، التي مشت وهي في الخامسة من عمرها إلى الأرض البعيدة عن البيت، لتلتقي والدها هناك حيث كان يجني محصول الحمّص وحده، وأنّبني لأنني أتيت وحدي مع صديقتي التي تماثلني في العُمر.
أريد أن يشاهدني أبي الآن، أنا طفلته وطفلة أمي المدللة التي تتسلق كالقردة وتطارد الشروق والغروب ودرب التبانّة في ليل البلاد الغريبة.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.