
أحب اللون الأخضر، والأزرق أيضًا، يسبقني إليهما قلبي قبل يدي التي تضغط زر الشراء في موقع “أمازون” أو في أي متجر أقصده لحاجة ما. ليس مستغربًا إذن انجذابي للطبيعة، إذ يشكل هذان اللونان سحرها الدائم، وهو سر انجذابي أيضًا للذوق البوهيمي في الملابس والحليّ والأثاث، أما أن تجتمع هذه مع فلسطينيتي خارج بلدي ، فهو اكتمال للوحة المشرد أو اللاجئ إن جازت التسمية، وبشكل لا إرادي خطر هذا الربط الممتد منذ بلوغ أمي سن الرابعة ، بين الفلسطيني والخيمة، لكنه أيضًا زمن الخيام في كل مكان، سورية والعراق وبنغلادش وتركيا، وهنا في أميركا، تحديدًا تحت جسور عدة في مدينة نيوأورليانز بولاية لويزيانا، كانت عديد الخيام تؤوي مشردين، يسمونهم “هومليس”، وأمام البيت الأبيض خيمة لمتضامن أممي ضد الحرب والمجاعة والسلاح النووي وغيرها من قضايا تلوث سمعة هذا الكوكب.
هذا أيضًا زمن الاغتراب الوظيفي والشعور الملح بالانفصال عن صوامع المكاتب التي تفتقر لضوء الشمس ونسيم نقي يأتيها مع رائحة الورق والعشب الأخضر في صباح نديّ .
الخيمة إذن بث تجريبي لحياة قد تحدث لاحقًا، ومن منّا يضمن اليوم نجاته من خيمة في المستقبل؟
وعن بركات خيمتي الخضراء، أن لها غلافين، واحد يتيح لي رؤية النجوم في ليلة صافية ويحميني من عضّات البعوض ، وآخر يحميني من المطر، وهو ما اختبرته في تلك الليلة الأولى داخل إحدى غابات شانندواه، ضمن قائمة المتنزهات الوطنية والمحميات الطبيعية في الولايات المتحدة، تحديدا في أعلى نقاطه.
تلك الليلة لم تكن عادية أبدًا، ضباب كثيف ومطر يتزايد ويتضاءل، نارٌ تثور على شكل ضوء في عيوننا المفتوحة، أو لسعات في عيوننا المقفلة، وحديث يجر آخر، قوامه فلسطين والهند والمغرب ، أغلبه عن الطعام حتى سألت كاثي “وما الذي يعنيه نسب الحمص لإسرائيل أو فلسطين؟” لننحدر بشكل طفيف إلى السياسة، الشر الذي لا بد منه!
أما شواء المارشميلو فهو قصة جميلة بذاتها، كيف لهذا الاجتماع بين مطعوم “فانسي” ونار “وايلد” أن ينتج ذلك المذاق الجديد على اللغة، وعليك أن تعتني بشوائه فلا تعرضه للنار دفعة واحدة، وليس لشعلتها بل لاشتعالها، وإلا كان الاحتراق سريعًا، يخلف صورة جميلة صحيح، لكن من دون مذاق!
دخلت في حقيبة نومي الحمراء، شعرت بدفء الحرية، واستسلمت لنوم في البرية، مع خلفية موسيقية قوامها ارتطام عنيف لزخات المطر مع خيمتي، وهنا يجدر الذكر أن الصوت المسموع من داخل الخيمة أعلى وأعمق منه خارجها.
لذلك السبب على ما يبدو، تجمدت عظامي، وشعرت بوخز في الشرايين الناقلة للدم بين القلب والدماغ، حين استيقظت في وقت متأخر أقدرّه بين الثالثة والرابعة فجرًا، حين وصلني صوت “وووووووه وووووه”، قلت لنفسي “هو الدب لا محالة، لا هذا المكان محمي، لا تصله الدببة البنية، ربما هو شخص كبير في السن يحادث آخر تحشرج صوته مع سعال خفيف، ربما سيهجم الدب أو وحش كما في أفلام الرعب فيقلب خيامنا جميعها أو يشعل النار فنحترق جميعًا نيامًا سواي أنا المستيقظة التي سترى انسحاب روحها خارج الزمان…. كفى كفى اصمتي وعودي للنوم يا أنا” أغلق عيني، أنام، ثم أصحو على ضوء فوق خيمتي، أحاول كتم أنفاسي وعدم التحرك كي لا ألفت انتباه الضوء لي فيصطادني بمخالبه الليلية. أنام. أصحو على صوت منبه السادسة، أشعر بضوء النهار ولكن من دون أشعة شمس، لم يزل أثر الضباب بعد، أبقى في خيمتي، أفتحها بعد تمام السابعة، أرى لون الأشجار الأخضر الطازج، أسمع حركة الناس التي بدأت تتصاعد رويدًا رويدًا، حيث بدأ النزوح إلى حاجات الصبح من التبوّل وتنظيف الأسنان وشرب المنبهات وتناول الفطور.

لم يكن ما سمعته وهمًا، ولا حتى الضوء، قال لي الرفاق في التخييم إنه صوت البومة وإنه أيقظهم أيضًا وخالوه كما خلته “الدب البني”! أما الضوء فكان بسبب حركة أحدهم في الليل، الذي يضع مصباح الرأس، ومع سيره يتحرك الضوء باتجاهات مختلفة، وصلني منها الكافي لإيقاظي.
استمتعنا بالشاي الهندي من تحضير هيمانشو وكان الحليب فوق المذاق والشاي المغربي من تحضير سفيان، حيث النعنع الجاف فوق مذاقه.
حركة الناس حولك تشعرك أنك في حي أو حارة في مخيم، الكل منكشف على الكل، مع فارق بسيط انك هنا تدفع النقود لتعيش هذا الجو وتستمتع بال “أدفينتشر” وهناك الأدفينتشر مفروض فرضا!
ولو أطلت المدة أكثر من ليلة، ربما ستتعرف على جيرانك، وقد يصبح بعضهم أصدقاءك، ربما أكثر.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.