
ماتت البطلة الافتراضية في أول قصّة قصيرة كتبتها قبل ١٦ عاماً (من موعد سَفري 2016) في الخامس عشر من نيسان.. ولم أتذكرها حتى عرفت موعد سفري إلى الولايات المتحدة الأميركية في 15/4/2016، من أجل الالتحاق بزملاءٍ جُدد في وظيفتي الجديدة، ليس خارج فلسطين فحسب، إنمّا خارج القارة الآسيوية بأكملها.
الموت المُحتمَل لامرأة افتراضية كان مقدمة من لخوف من موت مُحتمل ولكن لامرأة واقعية، هي أنا. قمّة الفانتازيا، أليس كذلك؟! وسبب الخوف نابعٌ مما حدث سابقاً في مطارات عالمية من تفجيرات إرهابية، بضغطة زر على حزام ناسف، أقنعه شخصٌ ما أنه سيدخل الجنة عبر أشلائنا المتناثرة!
لم يكن في قاعة الانتظار بمطار الملكة علياء الدولي شيءٌ مثيرٌ للفضول، أو الانتباه، سوى امرأة تفرد ألعاب طفلها البالغ ثلاثة أعوام، على الأرضية، ويلهوان، ليقترب مني ويمدّ نحوي بعض ألعابه داعياً إيّاي لمشاركته، حتى جاءت شابة أخرى، لم يأل جهداً في دعوتها أيضاً، ثم تسهم الاثنتان في محادثة صرتُ أنا خارجها.
صعدتُ الإيرباص “A321” التابعة لشركة “لوفتهانسا”، بمشاعر مختلطة، وربّما مرتبكة، بين الثقة والخوف والتوتّر، إلى جانبي طفل، وفي المقعد المحاذي لنا تجلس امرأة في الستينيات من عمرها، على ما يبدو جدّته، تطمئن عليه بالسؤال بين الفينة والأخرى، أتمسّك بآخر ضوء من شوارع عمّان، قبل أن نصبح في قلب العتمة.. أسلّمها أمري، وأنام، لكن ليس عميقاً.
ليس ثمّة ما يمكن مشاهدته، سوى أفكار عدة عن أشباح قد تبتلعنا فجأة دون أن يعلم بنا أحد، ونحن في هذا “الفَوق”.. ولا تغادرني أمّي في عناقها الأخير، ولمعة عينيها الدامعتين، ودعواتها ووصاياها الكثيفة التي أقابلها أحياناً باستهتار أو بجلافة مختصرة عليها الطريق بقول “صار عمري ثلاثين”.
لا نوم.. عينان مقفلتان تسترخيان حيناً وتنقبضان أحياناً، وفق ما أريد إفلاته أو التمسك به من ذاكرتي.
نُطلّ مع الشروق على ألمانيا، إلى جانب مطر خفيف، يصطاد رؤوسنا أثناء انتقالنا من الطائرة لباصٍ يُفترض أن يصلنا بقاعات الانتظار، هذا ما توقعته، لكنّه أخذنا إلى الطريق فقط، وهناك تهنا أنا وامرأة خمسينية أنيقة من مدينة السلط الأردنية، ندلّ بعضنا البعض على وجهتينا، وصعدنا درجاً كهربائياً لنرى بوجهنا قطاراً، وهذا ليس غريباً على ثاني أكبر مطارات أوروبا، لكن القطار ليس وسيلتنا للوصول، فهبطنا عائدتين إلى سؤال أحد الموظفين، وسرنا نكرر تعليماته حتى وصلنا أخيراً، عبر ممرات عدة، إلى السوق الحرة، لنستدلّ بعدها بسهولة عبر الإشارات والأسماء، إلى قاعتها، وعدتُ أدراجي مودّعةً إياها بعناقٍ، وسيجارة أشعلتها بعد سفر أكثر من أربع ساعات من دون تدخين.
أعود باحثة عن مكان انتظاري، وسعادة تغمرني، فلم يبق سوى القليل.. نصف الخوف تلاشى، وظلّ نصفٌ آخر..
خمسُ ساعات مرّت مثل “اللا شيء”… متاجر عديدة ومفتوحة على بعضها البعض، أتمشّى بينها أتفحّص الأسعار وأقارنها بما عهدته، وتبدو البضائع التقليدية الألمانية، رخيصة جداً مقارنة بالماركات العالمية من ملابس وعطور ومستحضرات تجميل وغيرها، والأغلبية لا تقبل الدولار، لكن يوجد قرب قاعات الانتظار “كشك” صرافة.
قبل صعود البوينغ “777”، بنحو ساعة، رأيتُ أجهزة كمبيوتر مع توفر خدمة إنترنت مجانية لمدة محدودة فيها، لترشدني شابة أميركية إلى طريقة الاستخدام، وحين عرفت أنني من فلسطين، أبدت سعادة كبيرة، لأنها زارتها سابقاً.
اصطف الركاب في خمسة صفوف، من أجل الإجراءات النهائية، التي تمرّ بأربعة أشخاص، وربما كانت هذه اللحظة الأصعب، لأنني ومن دون مبرر واضح، توقعت أن أعود خائبة، بسبب خلل ما قد يظهر فجأة بين أوراقي، وحين ألقى الموظف الأخير أمنية “رحلة آمنة” مبتسماً، عبرتُ الممر الواصل بين المطار والمقعد “40G” في الطائرة كالخيال، مسرعة إلى قدَري، لأجلس إلى جانب زوجين، يبدوان في أواخر عقدهما الخامس من العمر.
لم يقف الأمر عند الشابة في استراحة الإنترنت، ففي سيره لجلب المشروبات لنا، ابتسم مضيف الطيران، وسألني “من أين أنتِ” فأجبته “فلسطين” فقال “واو جميل” سألته “هل تعرفها؟” فقال “طبعاً”.
أمامنا الآن ٨ ساعات ونصف في إحدى طائرات شركة “اليونايتد إيرلاينز”، التي تحتل النصيب الأكبر في تشغيل مطار دالاس الدولي بواشنطن، وها أنا أقضيها في التنقل بين مختارات الشركة من أفلام درامية ووثائقية وكتب مقروءة ومسموعة إضافة إلى الأغاني، والفيلم الذي اخترت مشاهدته كاملاً “أسماني ملالا”.
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.