في Airbnb أول مرة

  كيف كانت ليلتك الأولى في النوم داخل بيت مع غرباء للمرة الأولى في حياتك؟ سأخبرك أنا عن شعوري. شاءت الظروف أن أسافر إلى مدينة تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية، وحدي، من دون خطة في رأسي للأهداف السياحية التي سأقصدها هناك. لكننّي على الأقل أعرف موعد الطائرة والمكان الذي سأبيتُ فيه! حجزتُ مقعدي في طائرة…


 

e1c12e8f-f9b7-461b-8d04-15de058970c9

كيف كانت ليلتك الأولى في النوم داخل بيت مع غرباء للمرة الأولى في حياتك؟ سأخبرك أنا عن شعوري.

شاءت الظروف أن أسافر إلى مدينة تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية، وحدي، من دون خطة في رأسي للأهداف السياحية التي سأقصدها هناك. لكننّي على الأقل أعرف موعد الطائرة والمكان الذي سأبيتُ فيه!

حجزتُ مقعدي في طائرة عن طريق موقع “Cheapoair” الذي لا يحمل أي ميزة سوى الأسعار المنخفضة للتذاكر، وهذا كافٍ على الأقل في تجربتي الأولى.

أما المبيت، وهذا هو الأهم، فكان عبر موقع “AirBNB”، بحجز غرفة أو سرير لقضاء ليلة أو أكثر في منازل أشخاص أو عائلات في مختلف دول العالم، ويكون الفرق بينه والفندق في الأسعار لافتاً، أمّا قرارك، فيعتمد أكثر من السعر على تقييم الأشخاص الذين سبقوك إلى المكان المُقتَرح، وحديثهم عنه، إضافة لميّزات أخرى تتعلق بقربه من أماكن سياحية أو شبكة مواصلات أو مراكز المدن.

السؤال، هل حقاً سأختار المبيت مع أشخاص لا أعرفهم؟ هل كان القرار بهذه السهولة؟

بدأتُ بفحص الموقع، والترشيحات الأعلى تقييماً وذات الأسعار الأنسب. فوجدتُ ترشيحاً بعنوان “The Blue Room”، وتقييمها بواسطة أكثر من 33 شخصاً “5 من 5″، وقرأت كافة تعليقاتهم بإمعان مرددة في رأسي “تباً.. هل يُعقل أن يملكوا جميعهم تلك الآراء المتقاربة؟ ربما هم جميعاً معارف المؤجّر!”.

بدأت عقليّة المؤامرة تعصف خيالي، لكنّني اقتربتُ من تلك “الزرقاء”، وتفحصتُ الصور، كلّها جميلة وتدل على بيت أنيق ونظافة تليق به، وربما هو انعكاس لأصحابه..

قررتُ تأجيل “المؤامرة” والحجز، فـ”عقلتُ وتوكلت”. وقبل مرور 24 ساعة ألغيتُ الحجز. فالليل أعاد المؤامرة بكامل ألقها وقلقي!

تحججتُ بأن حدثاً مفاجئاً ألغى طائرتي، في ردّي على استفسار مالكة البيت، فقالت “يؤسفني ذلك. فمنطقتنا جميلة، أتمنى أن تأتي إليها لاحقاً”، وفي استعادة المال سيكون مبلغ الحجز كاملاً باستثناء 12 دولار تذهب للموقع الإلكتروني نفسه.

في اليوم التالي، بدت على وجهي وفي أدائي للعمل ملامح اكتئاب، والسبب، شعوري بأنني لا أملك شجاعة كل هؤلاء البشر الذين جربّوا هذه الخدمة حول العالم، كما أنني سألغي حجز الطائرة، إذ لم أدفع مبلغاً إضافياً كتأمين، يتيح لي تغيير الحجز أو إلغاؤه دون رسوم إضافية، لذا كنت سأخسر ليس فقط تجربتي، أيضاً مالي!

أفكار كثيرة وكلام ونقاش مع بعض الزملاء، حتى وصلتُ لنتيجة. عدتُ مكتبي، بحثت عن “الغرفة الزرقاء”. يا تُرى “هل ستكون قدَري أم اختياري؟”. جددت الحجز، وبعثت لي صاحبة البيت مجدداً كل التعليمات اللازمة من عنوان البيت وطريقة الحصول على المفاتيح وتركها وأمور أخرى حول المتاح في هذا البيت لي من خدمات، مثل المطبخ وغرفة المعيشة إضافة إلى “غسالة” و”مُجففة ملابس” والحديقة الخلفية، وللأسف دراجة هوائية، إذ لم أقد دراجة في حياتي، أما المقابل لهذا الحجز: 185 دولار.

نفسي كي لا أعود للوارء خطوة بعيداً عن البيت، الذي وصلته في حي هادئ صغير في “Gulf port” بمدينة تامبا.

أربكتني طريقة فتح الباب، ثم اتصلتُ على المُضيفة، واطمأننت لصوتها رغم عدم معرفتي بها، فعبارة “هذا الرقم غير موجود أو مقفل أو مشغول” كانت أسوأ الاحتمالات التي قد تعيدني بسرعة إلى الخلف.

تابعت معي إيجادي المفتاح وفتحي الباب، ثم قالت لي “قلت لي إنك من فلسطين، ابنتاي عادتا للتو من إجازة في القدس. أخبرتهما عنك، وسيسرّهما التحدث إليك”.

زادت طمأنينتي، وفكرت “ربما هي أيضاً شعرت بارتباكي عبر الهاتف وألقت بكلمة القدس لتشعرني أن أِياء عدة تجمعنا”.

كان البيتُ خالياً سوى من كلبة صغيرة، اسمها “كليوي”. خجولة ولطيفة. وربما بسببها بدأت كسر أول الحواجز مع الكلاب الأليفة.

كان من السهل الاستدلال على الغرفة الزرقاء، وفتحها بمفتاح أزرق جميل، ووضع حقيبتي الزرقاء أيضاً داخلها..

مممم أنا وحدي، في بيت لا أعرفه، في حي لا أعرفه، في مدينة لا أعرفها، وولاية أزورها للمرة الأولى. ببساطة أنا محاطةٌ بالمجهول، وهذا شيء مقلق.

في هذا السطر، سأقول إن الأمر مؤرّقٌ أيضاً. أبقيتُ الأضواء على حالها، لم أستسلم للعتمة وحدي، وأقفلتُ الستائر، ونمتُ بعينين مفتوحتين وقلبٍ يخفق بغير انتظام.

قررتُ البقاء مستيقظة، ووضعتُ بجانبي “غاز الفلفل”، حتى إذا تعرضتُ لأي خطر فجأة، أرشّ في وجه المعتدي, قد تضحكون علي هنا، لكن سيناريوهات رعب عدة خضتها مع نفسي قبل الاستسلام للنوم، بملابسي.. أنا لم أجرؤ حتى على ارتداء “البيجاما”.

فجأة، صوت باب فتح للتو، خرق سكون غفلتي وترقبّي، شعرتُ أن الباب بابي، نهضتُ فزعة، ونظرت إلى هاتفي.. الساعة 2:30 فجراً.

لم أنم حتى الثالثة والنصف فجراً، واستيقظت تمام السابعة صباحاً. فعلياً لم أنم، لكنّي ما إن رأيتُ ضوء الصّبح، وسمعت خطوات عدة في المنزل، حتى تسللت الراحة داخلي، فخرجت من غرفتي، وأعددتُ فطوراً، ثم تناولته في الحديقة الخلفية، وأترقب بسمعي وعيني شخصاً أطمئن لوجوده معي في المنزل، حتى خرجت امرأة بفستان بسيط أسود مع أبيض، يشبه لون شعرها الممّوج. ضحكت لي: Good morning. I am Kim

رحمة حجة، أيلول 2016

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.