كتبت هذه السطور بين محطات انتظار وجسور ومطارات دولية، أيلول 2017
أودع البلاد من أخفض نقاطها ولا صوت يعلو فوق صوت فيروز “هيلا يا واسع” من كشك صغير يبيع “التسالي” وبعض أنواع القهوة في كؤوس ورقية رقيقة غير مغطاة. صباحٌ هادئ حار في أوله أثناء انتظار السماح بدخول المركبات الاستراحة، وما زلنا ننتظر في قاعة دخلناها فارغة وما لبثنا فيها عشر دقائق حتى امتلأت.. وما زلنا ننتظر .

الساعة 8:00 صباحًا
“يا حلو شو بخاف إني ضيعك..” و “شي يقلي تعي وشي يقلي ارجعي..” تعود فيروز بصوت أعلى من بكاء طفل أمامي في الباص الذي ينقلنا إلى جسر اللنبي ، نكون استلمنا أوراقًا صفراء من الاستراحة (محطة التوقف الفلسطينية ) وتذكرة لركوب الباص، نظهرها لشابين أحدهما أكحل العينين بملابس مدنية والثاني وهو الذي يستلم الأوراق الصفراء يرتدي ملابس شرطة بلون أزرق باهت لا يخفي عينين له برموش واضحة.


الساعة 9:40 صباحًا
ساعة و١٤ دقيقة في الحافلة التي توقفت مسافة دقيقتين قبل جسر اللنبي أو بلغة الناس (جسر اليهود) . أنهت فيروز صباحها وبدأت صباح تغني ثم تلتها داليدا “كنّا بنقول ان الفراق دا مستحيل …” بصوت منخفض جدًا وبكاء طفل يملأ المكان ، لا تسكته الشوكولا ولا
حتى علبة الحليب ..
نام أغلبنا واستيقظوا ثم غفونا وكنا لم نتحرك بعد.
طوابير تنفجر فجأة في محطة التوقف الإسرائيلية ومرور بطيء جدًا. يعلو صوت الموظف الإسرائيلي حول تنظيم الصفوف، فأكون نهاية طابور، وكل من جاء بعدي ينقلهم لآخر، وأنتظر.
أمي في نهاية الممر تجلس على أحد المقاعد، ويسعدني أن لا تشترط الموظفة حضورها أمام النافذة وتنظر إليها من بعيد وتسألها عن اسمها فقط. ونمر إلى الحافلة التي ستأخذنا لجسر الملك حسين وهو محطة التوقف الأردنية.

الساعة 10:11 صباحًا
نحن في حافلة متوجهة لمحطة التوقف الاردنية، ينقلب مزاج الأغاني إلى “معدي الناس بإحساسك” لعمرو دياب، وجميعنا على الأغلب نعد الدقائق حتى نصل، إلى ذلك المكان المليء بالذباب، بلون جدرانه وأثاث مكاتب موظفيه الرث ولون ملابسهم الباهتة، كأنك تنتقل فجأة عبر آلة الزمن من الألفية إلى السبعينيات من قرنٍ مضى، ورغم التبريد فلا جو ينعشك، تحمل جواز سفرك وبطاقة بيضاء ملأتها بمعلومات حول زيارتك للأردن وتنتظر بين الحشود دورك، ثم بعد تسليمها تنتظر أن ينادي شخص باسمك، منذ سنوات لم يدر ببال أحدهم أن يعطيه ميكروفون.
حديث الناس مع بعضهم البعض والمضحكات التي تتخلله هي فقط ما يهوّن عليك غزو الذباب لوجهك.
ألتقي بأستاذ درسني عام 2005 في كلية العلوم، وأحييه، يسألني “ذكريني باسمك” ونكمل الحديث المستقطع من هذا الملل بكامل تواضعه وطيبته التي اعتدت عليها. يقول لي “أنا في السعودية الآن.. ” مردفًا باختصار عن صعوبة البقاء في البلاد وكذلك الغُربة.
ينادي المنادي اسمي واسم أمي، فأركض نحوه عبر حشد بالكاد يسمح لي بالمرور ، ثم نكمل نحو دفع الرسوم لدخول الأردن، قبل أن يستلم منا الشخص قبل الأخير في معادلة هؤلاء الموظفين بطاقاتنا البيضاء، ليمنعنا قائلًا “ورقة أمك ناقصة ختم الشرطة” ثم يوجه الحديث لأمي التي تمشي ببطء مستعينة بعصا يسند أعوامها السبعين، “يلا بدك ترجعي تمشي لهناك عشان الختم”، أعود للمنادي ثم نعود للدخول إلى القسم المتبقي من مزرعة الذباب، وأصل في البحث عن عربة للحقائب حتى المركبات الخاصة والعمومية خارج أسوار مبنى المعبر الأردني، ولا عربات هناك، أعود أدراجي خائبة، وأقرر البحث عن الحقائب في تلك الكومة، دون أدنى فكرة كيف سأتدبر أمر العربة، لأجد عربة فيها حقائبنا مضافًا إليها أخرى ليست لنا، تنتظر وحدها بين أكوام الحقائب.. هذا هو القدَر الذي يفرح القلب!
أدخل الحقائب آلة التفتيش المتهالكة دون أن أبصر الموظف المراقب لها، ثم أعيدها للعربة، ونكمل الطريق أنا وأمي بامتعاض كبير من هذه المحطة التي نعتبره الأسوأ بين الثلاث، وعند بوابة الجسر يقول لي شرطي “ممنوع إخراج العربات” ولا أرى في تلك اللحظة أنسب من حمد الله على أنني أخيرًا “عبرت هذا الجسر..”
خرجنا 12:30 بعد الظهر

الساعة الآن 1:50 فجرًا
في قاعة الانتظار بعد إنهاء إجراءات الدخول حتى بوابة الطائرة الألمانية، ووجوه مبتسمة من جميع الموظفين هي كل ما قابلني، وأفكر “ليت الجسر يشبه المطار” . وتعثر دخولي قليلًا لأن ورقة الضريبة الإسرائيلية ليست معي، ويبدو أنها شيء أساسي لمن يغادر البلاد ثم يعودها في زيارة، قال لي الموظف “هذه الورقة تثبت إقامتك في الضفة “.
ودعت أمي ، تمامًا مثل العام الماضي، قالت “لن أبكي” ثم بللت خدّي بالدموع، لأفشل مثلها في ردع هذا الشيء. وأمضي في سبيلي معوّلة على دعائها، لا شيء أكثر.
شكرًا لكل من قابلتهم/ن وتمنوا/ين أو أنني تمنيت لقاءهم/ن من العائلة والأصدقاء في فلسطين والأردن، لكن حال الوقت دوننا. الصديقات والأصدقاء والزميلات والزملاء والجارات والجيران والمعارف وسائقو المركبات العامة والموظفون الذين ابتسموا بعمق في مقاهٍ ومطاعم زرتها مع أهلي وصديقاتي.. شكرًا جميعًا لأنكم/ن ما يجعل من “البلاد” كلمة نحب سماعها باستمرار، هناك.
الساعة 2:57 فجرًا
في طابور الدخول للطائرة، وقد بدأ العد التنازلي في هذه اللحظة تمامًا، يلفتني هؤلاء الأطفال النائمون في ردهات الانتظار، وأراهم الآن وقد استداروا، ظهورهم لنا وأعينهم متعلقة بالطائرات بين الإقلاع والهبوط ، وحركة المسافرين خلفهم، هم بين بين، ولا ينالون النوم ، وفجأة أثناء الكتابة يختفي الطابور ويتحلق الجميع بلا انتظام حول موظفي اللوفتهانسا الألمانية لصعود الطائرة.

كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.