![]()
علقتُ في منتصف المسافة خلال عبوري الـ Zip line حبل الانزلاق الثاني، ارتفع مستوى الأدرينالين، شعرت بالعجز، وتجنبت النظر إلى الأسفل، فقط الأشجار أمامي، وخطوة خطوة بهدوء وحرفيّة، اتجه أحد المرشدين ليسحبني إلى آخر المسافة، حاملًا كاميرا، ويردد “لا بأس لا بأس، فلتبتسمي للصورة.. هيا ابتسمي مرة أخرى”، وأنا لا أستطيع حتى أن أبتسم، أخشى أن أسقط بسبب ابتسامة زائدة!
والسبب أن شعور الخوف انتقل ليدي التي تمسك الحبل وشدّت عليه، والتمسك بقوة في منطق هذه اللعبة، يعني عدم الانزلاق.
قال المشرف قبل 10 دقائق فقط “القدمان متقاطعتان، يدك الارتكازية تلامس الحبل لتسهيل الانزلاق لا للتمسك به، والأخرى على الحزام الذي يربطك، وبصرك إلى الأمام”. لكنّي الآن نسيت.
بعد قليل سأتخطّى الثالث والرابع، لمسافة أطول، وارتفاع أعلى، وأشجار أكثر، ومساحات أوسع على امتداد البصر في بلدة غابات السّحَاب، مونيتفيردي، لكن ماذا عن الحبال الثلاثة الباقية من السبعة؟
رأينا أفراد المجموعة الذين سبقونا إلى الحبل الخامس “سوبر مان” وكأنهم عصافير صغيرة تحلق بسرعة ثابتة، أذهلنا المشهد، ضحكنا، قلنا إن هذا الجنون بعينه، وهو هدفي الأساسي من هذه الجولة بين الحبال المنزلقة.
وحين وصلنا إلى محطة الانطلاق، حيث يعلّقنا المرشد من منتصف الظهر بالحبل، نستطيع فرد أذرعنا أو ضمها كما نشاء، بينما الأقدام متقاطعة إلى الخلف، وهذا الحبل المنزلق هو الأطول والأعلى في أميركا اللاتينية.
أعطيت هاتفي لشاب بريطاني سبقني، كي يلتقط لي صورًا وفيديو من محطة الوصول، رأيت الشاب الذي يعمل هناك كيف يثبت أفراد المجموعة قبلي وبدفعة خفيفة منه ينطلقون بسرعة، وظننت الأمر بهذه السهولة حتى ثبّتني وحان وقت انطلاقي، لكن حين شعرت بالشّد لجسمي وبأنه غير مثبّت إلا من محيط الخصر بالحب، شعرت أنني حتمًا سأقع، سأفلت، سأصبح حطامًا بين أشجار الغابة تحتنا، فتراجعت وأخبرته بأنني لن أجتاز هذه المرحلة، وهو يقنعني “أنت تضعين حدودًا لنفسك، لماذا؟ لا تفكرّي كثيرًا”، لكنّي بالفعل تراجعت.
مرّ عنّي أفراد المجموعة واحدًا تلو آخر وأراهم عكسي تمامًا، ومنهم من يحمل كاميرا بيده يصوّر بها نفسه، وآخر يثبت على رأسه كاميرا “جو برو”، أخذ بعضهم بالصراخ أو بالضحك، وأتساءل “لماذا لستُ مثلهم”.
ثلاث مرّات ثبّتني المرشد ثم فكّني لأنني لم أجرؤ، رغم تشجيعه هو وبقيّة المجموعة، خصوصًا شابتان إحداهما من شيكاغو والأخرى من تكساس، كنت التقيتهما في الحافلة التي أقلّتنا للمكان، مع الشاب البريطاني الذي قال للسائق إن صديقته مريضة لذا سيكون وحده اليوم.
كنت المتبقيّة، وبات جميع المرشدين يعلمون الآن أن فتاة لن تتقوم بمرحلة “سوبر مان”، حتى اقترح أحد المرشدين الذي جاء ليقلّني بالمركبة إلى الطرف الآخر عبر الغابة، وظنّ أنني إسرائيلية حين رآني، أن يذهب معي المرشد الآخر، أي أن نتعلّق معًا هو أمامي وأنا أتمسّك به من الخلف، ويدي تمسك بالحبل، وكان هذا أفضل اقتراح بالنسبة لي، على الأقل أنا سأعبر الحبل الأطول والأعلى.
أخبرت المرشد صاحب الاقتراح الفذ أنني فلسطينية، وأكدت لهما “رجاءً لا تظنّوا أن أهل فلسطين كلهم مثلي أنا أجبن فلسطينية قد ترونها” وضحكنا.
في البداية كنت أغمض عيني من رهبة العلو، والمساحات التي صارت أوسع تحتنا، أمامنا، وخلفنا، وكل شيء أخضر، قال لي “افتحي عينيك.. تمتّعي بالمشهد..”، وقمنا بنفس الشيء مع الحبل السادس، وأنا سعيدة بذلك، حتى وصلنا السابع، وهو “طرزان”، تمسك بحبل بيديك فقط، ثم يدفعك أحد المرشدين اللذين ينتظرانك بعد عبورك جسرًا غير ثابت، مصنوعًا من الحبال والأسلاك، كنت متحمسّة حتى رأيت الارتفاع وشعرت أنني قد أفلت الحبل من بين يدي، وأنهما سيدفعانني للهاوية عن طرف الجسر، فتراجعت، وشكرتهما، وعدتُ أدراجي دون الحصول على شعور “طرزان”، والبريطاني ما زال بانتظاري، ويضحك وأضحك معه على ما حدث، قال لي “ثبت الكاميرا بشكل فني وبدأت ألتقط الفيديو، ثم حين رأيت الشخص التالي شعرت إنها ليست هي، ثم شغّلته للثاني، وبعدها عرفتُ أنك لم تتخطي هذه المرحلة.. يبدو أنك تفكرّين كثيرًا”، مضيفًا أن أحد أصدقائه المقرّبين فلسطيني.
– صحيح، هذا ما حصل. أنا على الأقل عشت تجربة الحبال المنزلقة، وهي أول مرة في حياتي.
– صدقًا طرزان مرعبة، أنا مثلًا جربت القفز الحر (سكاي دايفينغ)، ولكن أول لحظة في القفز مدهشة ثم يصبح الأمر عاديًا ومملًا، بينما هنا أنا أستطيع رؤية الأرض تحتي والشجر حولي، كان أمرًا مخيفًا بالفعل.
حين عدنا وعرفت الفتاتان الأميركيتان أنني اجتزت “سوبر مان” بمساعدة المرشد، قلن “وااو” وأعجبهن ذلك، فيما قال البريطاني “إذن كان لك سوبر مان خاص فيك، أنت فعلت شيئًا مختلفًا عنّا”، وضحكنا جميعًا.
رحمة حجة
كل كلمة تعرف طريقها، وأنت تحدد زمن الوصول.